• الموقع : حسن بن فرحان المالكي .
        • القسم الرئيسي : المقالات والكتابات .
              • القسم الفرعي : مقالات وكتابات .
                    • الموضوع : رمضان.. شهر الحسنات لقوم.. شهر السيئات لآخرين! .

رمضان.. شهر الحسنات لقوم.. شهر السيئات لآخرين!

العنوان غريب ومثير... هذا صحيح، فالله لم يشرع لنا رمضان إلا ليكون شهر حسنات، لكننا قد نستطيع تحويله إلى شهر سيئات، فرمضان هو شهر الحسنات، وسيبقى لنا شهر حسنات إذا أبقيناه لله، كما أمر الله، وقد يكون شهراً نملأ فيه صفحاتنا بالسيئات، وبهذا نحوله إلى شهر نكثر فيه من السيئات عندما نتخذه مناسبة للحث على سفك الدماء والدعوات الجاهلية المتلبسة بثوب الإسلام ظلماً وزوراً، (وسأفسر في مقال الأسبوع المقبل سبب كلامي هذا).
رمضان نعمة كبرى، وهي نعمة جامعة للمسلمين، وأي نعمة هي من الله للخير وفي الخير، لكنها غير مستعصية على التحويل، فالإنسان بظلمه وغروره وجهله قد يحول هذه النعمة وغيرها للشر (من دعوة للفرقة والتباغض والكراهية وسفك الدماء، من أطراف متضادة وكلها مسلمة)، وهذا التحويل ممكن جداً وليس غريباً. مثلما تم تحويل «دين الله» من أنه دين معرفة وألفة وهدى واعتصام بحبل الله، إلى دين فرقة واختلاف وتناحر وسفك دماء وتحريض على الكراهية والتباعد.. فالمسؤول عن تحويل نعم الله عن أصلها الخيّر هو الإنسان الظلوم الجهول، وليس الله الذي هو بنا رؤوف رحيم. ونستطيع أن نعقل هذا في الآلات الحديثة، كالسيارة مثلاً، فهي في الأصل نعمة وهي للخير وللراحة، لكن الإنسان يستطيع تحويلها إلى أداة شر، من سيارات مفخخة أو «تفحيط مزعج للحي» أو تصادم مميت.. إلخ. فالإنسان المستخدم للسيارة في الشر هو المسؤول عن تحويلها إلى أداة شر، وليس صانعها الياباني أو الأميركي. إذن، فقد ودعنا الشهر الكريم شهر رمضان، شهر الله، نعم شهر الله، فهو لله وليس لنا، وإن كان بعض المسلمين قد جعل شهر الله له لا لله، فاستغله لنصرة رؤيته ومذهبه وقناعته السياسية، فهذا استيلاء على حق الله، وتحويل لنعمته، مثلما حصل قديماً من الاستيلاء على شرع الله ودينه الذي يسلّم به الجميع. وهذا الاستيلاء على الدين لا يعني -معاذ الله- أن الله عاجز عن الانتصار لدينه، وإنما يعني أن الله يملي للظالمين وعابدي أنفسهم وعصبياتهم ليزدادوا إثماً مع إثمهم، وليمحص الذين آمنوا في صدقهم وعبادتهم لله وحده (وعبادة الله وحده، هي من أصعب الأمور، ولا تظنونها أمراً هيناً، فهي ليست ألفاظاً، والله لا يُرضى بالألفاظ ولا يُخدع عن جنته، فهو يعرف معنى العبادة وهو أعلم بمن اتقى). والجريمة الكبرى أن الاستيلاء على شهر الله هذا تم في بيوت الله أيضاً وبدين الله ثالثاً، فجمع الاستيلاء بين أخص الأزمنة وأخص الأمكنة وأخص الأديان، فالدين لله، والشهر لله، والمساجد بيوت الله. فالمساجد لله وليست لنا ولا لمذاهبنا ولا سياساتنا ولا أحزابنا ولا أمراضنا، «وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً»، وأيضاً فقد تم الاستيلاء من قديم على المساجد (بيوت الله) من أيام بني أمية أيضاً، وتم توجيهها لخدمة السلطات الظالمة. إذن، فالمسلمون يزحفون على أخص أزمنة الله وأمكنته وأديانه، وهذه الثلاثة - التي من البدهي يجب أن تكون لله فقط - قد أضافها المسلمون إلى مغتصباتهم الأخرى، فأضافوها لأمكنتهم وأزمنتهم وأديانهم، (قُتل الإنسان ما أكفره)! واليوم لم أعد أعرف زمناً خاصاً لله، لا رمضان ولا محرم ولا ذي الحجة ولا الجمعة.. إلخ، كل هذه الأزمنة والأمكنة استولت عليها المذاهب والدول. كل أيام الأسبوع لنا، إلا ساعة من يوم الجمعة، استحوذنا عليها أيضاً. كل شهور السنة لنا إلا شهراً واحداً استولينا عليه أيضاً. كل الأرض لنا إلا المساجد فاستولينا عليها أيضاً! واستولينا على الدين في لبه وروحه دون شكلياته ومظاهره! فماذا أبقينا لله؟؟ لنبقى حقاً (عباد الله)؟! «قتل الإنسان ما أكفره»!

  • المصدر : http://www.almaliky.org/subject.php?id=109
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2012 / 09 / 25
  • تاريخ الطباعة : 2017 / 11 / 18