• الموقع : حسن بن فرحان المالكي .
        • القسم الرئيسي : المقالات والكتابات .
              • القسم الفرعي : تغريدات .
                    • الموضوع : رمضان بين الجبال الشرقية! (الجزء الاوّل) .

رمضان بين الجبال الشرقية! (الجزء الاوّل)



رمضان بين الجبال الشرقية! (الجزء الاوّل)



وصيتي لليمنيين والسوريين والليبيين والعراقيين جميعاً
هي وصية الله:
( يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان).
حبك للخير والسلم والحقوق والعافية للناس تؤجر عليها؛ حتى لو لم تتحقق أمنيتك؛ فعود نفسك على تجنب خطوات الشيطان؛ هو ينفخ فيك العداوة والبغضاء.
اعتبر أن حبك للسلم وعيشة الكفاف للناس، اعتبر هذا ابتلاء من الله في تمحيص نفسك من الداخل.
جرب.
جرب أن تحب لأخيك وأهله ما تحبه لنفسك وأهلك.
جرب!


جبال بني مالك - جنوب السعودية - تقع إلى الشرق من منطقة جازان، وعلى الشرق المباشر من فيفاء، ولشهر رمضان فيها قصة!
كانت قرية المعثرة قرية تضج بالحياة بين تلك الجبال؛ تضج بالعائلة الكبيرة والأنعام المتنوعة والطيور والأشجار وكل شيء! وكان لرمضان قصة كبيرة!
من الصعب جداً أن تحيط بقصة رمضان في الجبال، ولكن لا بأس من شيء من الذكريات، وأنا بطبيعتي أحب الذكريات؛ وأرجو أنها من علامات النبل والوفاء.
هذه المعثرة: مسقط رأسي، ومتنفس الصبا؛ المربوعة الوسطى (تم بناؤه عام 1394)، الجرن القديم قبل 100 سنة، والبيت الجديد!

http://store1.up-00.com/2015-06/1434493544261.jpg

كان في أفنية البيت الأوسط الأبيض قصص رمضان الخالدة؛ الإفطار العائلي بعد يوم طويل من الظمأ؛ بعدها يوميات أم حديجان؛ الجميع يسمع ويستمتع ويبتهج.
أذكر أول يوم صمته؛ كان نريد أن نصوم تقليداً للكبار، وشجعني بعض إخواني، فقررت الصوم؛ وطلبت من الوالدة أن تصحيني للسحور :

http://store1.up-00.com/2015-06/1434493669981.jpg

كان السحور خبزة دخن  وحقين (لبن) فقط، أكلت لقيمات ولم أكثر؛ وفي الصباح ذهبت بالنعاج أرعاهن في هضاب (القحز) القريبة:

http://store2.up-00.com/2015-06/1434493737171.jpg

في الساعة الثانية أو الثالثة بعد الظهر؛ سمعنا الوالد وهو يأمرنا أن نخرج المواشي؛ (النعاج/ الأبقار/ الحمير) للرعي المسائي؛ فقمنا بتثاقل؛ وبدأ العطش مبكراً؛ وكنت بجوار بركتنا في القحز! تلك البركة الصافية الماء، التي حفرها وأصلحها لنا مسفر (من اليمن) أيام مقتل الملك فيصل.
كنت أبل بالماء ريقي وأمجه؛ كنت أملأ فمي ب (الوهب= ماء الأمطار)؛ وأتمنى لو أشرب؛ ولكن لا يمكن، وسيزول العطش مع الوقت؛ كما قال أخي عبد الله.
كان اليوم شديد الحرارة، وشمس القحز نقول أنها أكثر إحراقاً، لعدم وجود غطاء نباني، كانت نباتاتها الحرض والحمرار، ولا وجود إلا لسدرة واحدة؛ لكن السدرة بعيدة عن النعاج؛ وأنا مطالب برعيهن في أماكن خاصة ( الغالة الفسيحة/ الغمر..)؛ كنت أكرر : متى يأتي المغرب، والساعة لم تصل التاسعة!
كانت معي ساعة (صليب) تشبه ساعة جارنا موسى هادي، شعرت بأنها اليوم بطيئة جداً؛  تمشي الدقائق فيها كالساعات، ثم تحاملت وتناسيت حتى قرب الظهر!
كنت أتناسى بمراقبة العصافير والطيور والسماء الزرقاء؛ أتناسى برؤية (الفرار الصغار) وهم يهتدون بأمهاتهم في اختيار العشب الأنسب.
عندما اقترب الظهر؛ كان لابد من إيراد النعاج على ماء (المدرة)؛  فبدأت أسوقهن قبلي، من الغالة الفسيحة إلى الغمر الصغير إلى  الكبير إلى المدرة؛ كان ماء (المَدَرَة) ثجاجاً؛ والدنيا خير.
رأيت النعاج يشربن بنهم؛ كنت أغبطهن وهن يشربن الماء الزلال بعد نصف يوم من الأكل المتواصل. أخذت من الماء البارد عند البركة التي أعلى (غدير المدرة)؛ أرش به على وجهي ورأسي؛ أغسل وجهي؛ أريد أن يدخل الماء من مسامات جلدي؛ لكن بلا فائدة! ثم سقتهن أمامي إلى البيت؛ كان عددهن حوالي العشرين؛ مررت بهن من أسفل الجفو إلى أحياد الكواكف إلى أسفل قيار إلى الأشاطي السفلى إلى المعثرة؛ وصلت ورميت نفسي على الكرسي الذي فراشه (بوّة)؛ وهي قطعة من الجلد المدبوغ، كانت الفراش المفضل، وتحتفظ بالبرودة. كنت منهكاً ظامئاً ,,
وجدت أخي أحمد وأخواني؛ عبد الله وجابر وإخواتي عافية وجمعة والطفلتين غرسة ومطرة اللتين لم تصوما؛ كنا نسأل بعضاً ونشجع بعضاً؛ ولكن العطش شديد!
كان الوالد في (المربوعة)؛ في قيلولته؛ والوالدة معنا في قيلولة؛ والجميع كان يشتغل؛ الوالد في الأرض والأم في البيت؛ والأولاد لبقية المواشي.
كان رعي الحمير من نصيب  أخي أحمد؛ وما زلت أذكر أسماءهم ( عجلان/ عكف/ التليدي/ حمار هادي/ حمار يحيى) هههه؛ لكنهم كانوا أريح من رعي النعاج؛ على الأقل كان أخي أحمد إذا تعب ركب أحدهم؛ أما أنا؛ فأسير على الأقدام خلف النعاج؛ أطلع معهن نقيل القحز؛ وأنزل من الغمرين إلى المدرة إلى البيت.
أخذت النعاج من (الزربة) وروعتهن (هكذا نقول رَوَعَ النعاج وسَرَحَ البقر)! روعتهن ناحية (غوال حسن جودة)؛ وفوق المثمل؛ وبجوار بيت المكروهة. كان العطش يحرقني؛ لم يتوقف؛ لم يخف كما أقنعني عبد الله.
انتقلت بالنعاج إلى أشاطي الخائع لآنس بالسوالف مع أخي أحمد؛ وكان معه البقر والحمير؛ كنت أنا وأخي أحمد نقول لبعضنا:
متى يأتي المغرب؟ وهل ممكن أن نشرب حتى نرتوي؟
لا نكاد نصدق؛ كنت أتقلب على التراب البارد في فيئة العصر. كنا نتباطأ ساعاتنا (الصليب)؛ كان الواحد منا يظن أن ساعته فيها خلل وتأخير؛ لكن عندما نسأل صديقنا سعيد محمد سالم يقول: لا
ساعاتكم صح!
مشى الوقت بطيئاً؛ ولم نعد نستمتع برؤية البقر والنعاج وهي تأكل؛ كنا نستمتع برؤية الثورين؛ شهران ونوفان؛ وهما يأكلان العشب بشراهة؛ نسينا كل شيء.
اقترب المغرب، والدقائق تتمدد لتصبح ساعات؛ ثم نادانا الوالد : الرواح الرواح.
أرجعنا المواشي وجلسنا ننتظر؛ نرى الماء وشراب الفيمتو أمامنا! كان الفطور الأساسي القديم/ خبزة وحلبة ولبن ونسميه (طهام = حقين)؛ وكذلك ماء الوهب (ماء مطر) ثم أضفنا شراب الفيمتو الأحمر وكان له لذة عجيبة!
لم يكن عندنا مدفع ولا شيء؛ كنا ننتظر أن نسمع أذان جارنا محمد مسعود في القحز؛ أو جارنا الآخر موسى هادي فس السليتة؛ كنا ننتظر بفارغ الصبر.
كان الوالد رحيماً بنا؛ ولكن عنده نصائح؛ ألا نكثر من شرب الماء في البداية.
أذن المؤذن؛ وكنا ننتظر حتى ينتهي؛ ثم انطلقنا!
http://store2.up-00.com/2015-06/1434493794881.jpg

جميع  الأولاد انطلقوا للماء؛ يشربون من (اللبوات = جمع لبوة/ إناء صيني)؛ شربنا حتى تصببنا عرقاً؛ لم يعد هناك متسعاً للأكل!
كانت لحظة نادرة؛ نأكل بعد قليل، خبز وحلبة؛ الحلبة كان الوالد يعملها، من الحلبة الطحين مع الحُمَر (تمر هندي) مع بصل وسكر؛ حلبة تختلف كثيراً عن الحلبة اليوم.
بعد ذلك يصعد الوالد رحمه الله فوق البيت ألأوسط الأبيض لصلاة المغرب؛ نتبعه نصلي خلفه؛ ثم نرجع لنسمع جميعاً في الإذاعة (يوميات أم حديجان)! كان البرنامج من إعداد الممثل الشعبي المشهور عبد العزيز الهزاع؛ يقوم فيه بجميع الأدوار؛ وكانت الوالد رحمه الله يرتاح منه كثيراً؛ مثله مثلنا.
كان برنامج "يوميات أم حديجان" هو البرنامج الرمضاني الفكاهي الوحيد؛ وهذا نموذج منه - مع الاعتذار فشارة المقدمة ناقصة -

https://www.youtube.com/watch?v=do5RGTdRGfI

أول يوم صمته، لم يكن عندنا تلفزيون؛ ولا نعلم بوجوده إلا ربما عند بعض الموسرين؛ كان عندنا المذياع فقط؛  وكان مع إخواني الكبار ، كل واحد مذياع.



رللانتقال الى "رمضان بين الجبال الشرقية! (الجزء الثاني)" على هذا اللرابط «««


  • المصدر : http://www.almaliky.org/subject.php?id=1171
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2015 / 06 / 17
  • تاريخ الطباعة : 2018 / 10 / 21