• الموقع : حسن بن فرحان المالكي .
        • القسم الرئيسي : المقالات والكتابات .
              • القسم الفرعي : تغريدات .
                    • الموضوع : الفيلم الإيراني : محمد رسول الله..! .

الفيلم الإيراني : محمد رسول الله..!



                    الفيلم الإيراني : محمد رسول الله..!



العرض القرآني للسيرة النبوية هو أفضل وأصدق العروض، وكل كتب السيرة تهجر القرآن؛ ولا تعول عليه في معرفة الغاية من الدين والأحداث والفئات؛ لا أجد جدلاً في كتب السير عن الغايات ولا صدق تصوير للأحداث، فكيف  بالمسلسلات/ الأفلام العربية والإيرانية التي تعتمد على كتب السيرة، وخاصة السنية.


لم يظهر الفيلم بعد، ولا نستطيع الحكم عليه إلا بعد ظهوره، ولكن كلامنا عن ردود الأفعال وما قيل عنه. سأذكر ميزان نجاح الفيلم من عدمه؛ ولكن أشير قبل إلى أن المواقف التي سبقت الفيلم (سواء مع أو ضد) هي ضد النهج العلمي؛ إنما هي سياسية مذهبية؛ فالذين حرموا الفيلم قبل مشاهدته؛ لم يحرمونه إلا لأنه إيراني؛ والذين مدحوا الفيلم قبل رؤيته لم يمدحوه إلا لأنه إيراني.
هذا وضع الجميع.
وهذا سقوط كبير (سني وشيعي) لأساسيات النقد العلمي التي طالما تشدقوا بها، مما يدل على أن المسلمين ليسوا جادين في منطقهم، إنما هي للدعاية.
نعم؛ بالمؤيدون للفيلم يبقى لهم لهم أمل أنه سيكون ناجحاً قياساً على نجاح مسلسلات يوسف عليه السلام، وأمثاله، فالمتفائلون لهم بعض العذر . ونستطيع أن نجد بعض العذر للمعارضين له؛ لأنه أشيع أنه سيجسد شخصية الرسول - مع تأكيد مخرج الفيلم أن هذا لن يحدث - فهذه الإشاعة فيها بعض العذر؛ أما الطائفيون، فكل شيء من إيران محاربة للإسلام؛ وسبق أن قالوا عن التفاح الإيراني تفاح رافضي، والورود الإيرانية ورود رافضية!
هؤلاء خارج العقل.
نعود إلى الفيلم؛ وما هو معيار نجاحه من عدمه؟
عندي شعور بأن الفيلم سيكون رائعاً من حيث الإخراج؛ عادياً من حيث المضمون؛ لماذا؟
من حيث الإخراج؛ فالدراما الإيرانية من حيث الإخراج رائعة بلا شك - يوسف الصديق/  بل والزير سالم من حيث الملابس وكثير من التصاميم نماذج كافية - وأما من حيث المضمون، فتشاؤمي بأن الفيلم سيكون عادياً، هو تصريح للمخرج مجيدي بأنه اعتمد على سيرة ابن هشام والطبري؛ ولم يذكر القرآن الكريم؛ والعرب والإيرانيون متفقون على هجر السيرة من زاوية قرآنية، فلم يختلفوا إلا في صورة اللحم والدم، والقرآن هو المصدر الأول للسيرة النبوية.
العرض القرآني للسيرة النبوية هو أفضل وأصدق العروض، وكل كتب السيرة تهجر القرآن؛ ولا تعول عليه في معرفة الغاية من الدين والأحداث والفئات؛ لا أجد جدلاً في كتب السير عن الغايات ولا صدق تصوير للأحداث، فكيف  بالمسلسلات/ الأفلام العربية والإيرانية التي تعتمد على كتب السيرة، وخاصة السنية. فمثلاً : لا تناقش المسلسلات/ الأفلام الظاهرة النفاقية والنفسية القرشية والحالة الأعرابية والتأثير اليهودي الخ؛ كل هذه الأمور معروضة بصدق في القرآن؛ بل فيلم الرسالة - وهو فخر السينما العربية - لم يأت على ذكر اليهود أصلاً، مع الحشد القرآني عن أثر اليهود سياسياً ومعرفياً ، فكيف بغيره؟
هناك غلبة لإشباع الجانب العسكري للسيرة النبوية - ودون بيان أهداف الحرب - وإغفال للجدل الديني ولظهور الحالة النفاقية وتضخمها طردياً مع الوقت؛ تضخيم الجانب العسكري للسيرة  أنتج - فيما بعد - عسكرة للإسلام وعسكرة للأفكار وعسكرة للعقل، وضاعت غايات القرآن وأسرار الأنبياء والنبوات. عسكرة الإسلام من قديم، كان بسبب حاجات المسلمين للكذب على النبي ونسبة الشنائع إليه؛ من عنف وأثرة وسذاجة؛ فتم تسطيح النبوات ليرتاح السلاطين.
وكل مسلسل أو فيلم لا يعالج هذه التسطيح للإسلام والنبوات فهو فاشل؛ بل مشارك في الجريمة؛ وإن كان إخراجه من أبدع ما أنتجته السينما والدراما.
كل مسلسل عن النبي صلوات الله عليه وآله، أو عن السيرة، ولا يبدأ من غايات القرآن؛ ومعرفة غايات الله من بعث الرسل وخلق الإنسان؛ فهو سطحي وفاشل.
كل عمل لا يعرّف المسلمين على الإسلام الأول، وبصدق وعلم؛ وليس بالعاطفة والتزييف، فهو عمل تجاري إعلامي هدفه الأول الربح والإعلام.
كل عمل درامي أو سينمائي عن السيرة لا يقرأ كتب الملحدين قبل، ثم يجيب عليها بعلم، فهو عمل جبان، هدفه المحافظة على السذاجة وجمهور العامة.
مسلسلات السيرة والصحابة في الماضي أنتجت لنا اليوم داعش الكبرى، لأنها قدمت صورة خيالية كاذبة عن غايات الدين وعن واقع الناس والفاتحين. وحاجة المسلمين للكذب على السيرة والواقع التاريخي مازال موجوداً إلى اليوم، كما رأينا في مسلسل الحسن والحسين ومعاوية؛ ومسلسل القعقاع الخ؛ الجميع مرتاح للكذب من قديم؛ شيوخ ودعاة وعامة وجهات منتجة عربية وإيرانية؛ الكذب فيه متعة للقلوب لساذجة والعقول البلهاء؛ والنتيجة سقوط حضاري؛ فخذوا مسلسل القعقاع مثلاً؛ شخصية لا وجود لها أصلاً، لكن فيها أحداث داعشية ممتعة، فجمعوا لتزكية المسلسل القرضاوي والعودة والصلابي وغيرهم؛ لا يستطيع، لا القرضاوي ولا العودة ولا الصلابي، الإتيان بسند صحيح أو ضعيف أو موضوع لشخصية القعقاع المشهورة إلا من طريق مخترعه سيف بن عمر فقط؛ لذلك فالكذب مازال يتواصل إلى اليوم، وحتى لا نعمم؛ ففيلم الرسالة والمسلسلات الإيرانية أخف بلا شك من هذا الهراء والدجل الدرامي العربي الأخير؛ لكن المسلسلات الإيرانية تجامل الأزهر والعرب، فلذلك يغلبون عسكرة الإسلام أيضاً على غاياته، ويهملون إظهار الفئات الاجتماعية وحججها.
مثال:
خذوا مثالاً: ذكر الله عن المنافقين أنهم لا يعلمون ولا يشعرون ولا يفقهون ويحسبون أنهم مهتدون.. هل رأيتم في المسلسلات/ الافلام من عالج هذه الحالة؟
ابداً، الجميع يعرض المنافقين وكأنهم يعلمون أنهم منافقون؛ القرآن يقول أبداً؛ لا يشعرون/ لا يعلمون/ لا يفقهون.. فلماذا أهملها المنتجون؟
العرب أهملوا هذه الحالة بشكل واضح، والإيرانيون أخف؛ لماذا؟
لأنهم عاجزون عن مناقشة هذه النفسيات النفاقية؛ لأن النفاق عندهم مجهول أصلا؛ لماذا؟
والسؤال: لماذا لم يعالجوا ويغوصوا في الشخصية النفاقية؟
الجواب: أن المنافقين لا يعلمون ولا يشعرون ولا يفقهون! فالنفسية واحدة! مثلما النفاق القديم لم يكتشف نفسه - على الأقل في الغالب الأعم حسب القرآن - فقد أنتج نفاقاً لا يستطيع أن يكتشف النفاق؛ ولا يحلله ولا يعرض له؛ وهذا خلاف الدراما الغربية، فهي تغوص في النفس البشرية، وتنشرها على السطح، ليراها المفكر والعامي، وليتعرفوا عليها، فتتكون الثقافة والحضارة.
الغريب أن الشيعة عندهم تراث متميز لأهل البيت، في الغوص على أسرار النفس الإنسانية، لكنهم يهملون هذا الغوص في التحليل، للمجاملة والمال. تراث الإمام علي وحده، كفيل بالغوص على ما يجهله المسلمون، من تنزيه الله وعدله وسننه وغايات الرسالة وأحوال النفس البشرية؛ لكنه مهجور أيضاً.
المقصود؛ أن العرب والإيرانيين، والسنة والشيعة، لا يجيبون في مسلسلاتهم/ أفلاهم عن الأسئلة التي يمكن أن يسألها المسلم وغير المسلم؛ وسأطرح نموذجاً:
سأطرح نماذج من الأسئلة التي لا يستطيع منتجو المسلسلات طرحها ولا مناقشتها، لضعفهم الثقافي، مع أهمية هذه الأسئلة في معرفة غايات الإسلام. فمثلاً:
لماذا هذه الفترة بين كل نبي ونبي؟ لماذا لم يرسل الله نبياً في كل قبيلة من العرب حتى يهتدي الناس، مادام أن اعتراضهم قبلي؟ لماذا لم ينفذ النبي طلبات قريش بطلبه من الله إنزال كنز من السماء أو رؤية الملائكة أو ما أشبه ذلك؟ مع أن هذه الآيات حدثت لأنبياء سابقين؟ لماذا آمن بالنبي صحابة ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً ... - كما ذكر القرآن - ما أسباب هذه التنقل والتردد والاضطراب؟ ولماذا أبوي النبي في النار - حسب المعتقد السلفي -؟! لماذا لم يؤخر الله أعمارهم إلى فتح مكة ليؤمنوا كما آمن أبو سفيان ولنجوا من العذاب؟
والأسئلة كثيرة، وأنا لا أؤمن ببعض الأسئلة؛ كالسؤال لأخير - أبوي النبي - إلا أنني أطرحه لأنه عقيدة سلفية شائعة، ولن تتوصل لخطئه إلا بعلم.
لنبدأ بالإجابة:
لماذا لم يبعث الله نبياً من القبيلتبن (مخزوم وثقيف) كما طالبت قريش؟ ولماذا  لم يبعث الله نبياً في كل قبيلة ليهتدون؟
الجواب باختصار: أما بعث الله لنبي صادق أمين يتيم ومن بيت كريم، دون بقية البيوتات والقبائل، فله سر في اختبار كبر هذه النفس الإنسانية؛ فالله يحارب الكبر، وتبين من قصة عدم سجود إبليس لآدم  أن هذه بداية اختبارات القلوب، وإلا لو أمره الله بالسجود لجبريل لربما سجد وسهل عليه. فالله أولاً أعلم حيث يجعل رسالته؛ ومتى يجعلها وفي من يجعلها؟
ثانياً: لله هدف في فرز القلوب المتكبرة التي تركز على الشخص عن القلوب التي تتجه للمعلومة والبرهان؛ ولو بعث الله ملكاً من الملائكة مع النبي لسلب من كفار قريش هذه الإمكانية لتفعيل السمع والبصر والعقل والقلب.
بمعنى؛ أن الاتجاه سيكون إلى المعجزة أكثر منها إلى البرهان - وهذا إن صلح في فترة ثم كذب بها الأقوام - فالبشرية تتجه نحو تفعيل العقل والقلب.
بمعنى؛ أن الله يتدرج في تعليم الإنسان؛ كما تتدرج أنت في تعليم الطفل؛ فالطفل في بداياته حسي، ثم يتطور إلى أن يغلب العقل والبرهان، ومع ذلك؛ ذكر الله من أحوال الأمم السابقة من كفر بالبراهين الحسية، رغم أنها مرحلة من مراحل تطور الإنسان، ثم الرسالة الخاتمة لجميع الناس؛ فلو ظهر من النبي ملك من الملائكة، لقال الناس بعد، هم رأوه ولم نره، ثم تكذيب الأولين بالمعجزات دليل آخر أن المرض في القلب لا في البرهان.
نعم؛ كانت للنبي آيات؛ لكنها بدون طلب من الكفار، فالآيات التي تأتي دون طلب تختلف عن الآيات التي يشترطها الكفار، وليس بعدها إلا العذاب.
وأما لماذا بعث الله نبياً في قريش دون سائر قبائل العرب، فهذا سيكشف لنا أن المتحلي بمكارم الأخلاق سينجو؛ ولو لم يجد نبياً، فهذا سيكشف عن جوانب من العدل الإلهي الذي اضاعته الثقافة االنفاقية، وكذلك لمحورية قريش؛ كونها حاضرة العرب؛ فالجميع يحج إلى مكة، وسيسمع الرسالة؛ أيضاً لأن قريش أحوج إلى الرسالة من كل العرب، لتجارتها وجشعها وفساد أخلاقها وتبجحها بأنهم أتباع إبراهيم؛ وارتفاع منسوب الحسد بين البيوتات؛ ولنسب النبي إلى إبراهيم (دعاء إبراهيم للبيت والذرية)؛ ولعلم الله بأن قريشاً ستحكم المسلمين ستة قرون؛ وستنتج محاربة النبوة ثم الالتفاف عليها؛ ولعلاقات قريش التجارية؛ وكون كل الثقافات في مكة بخلاف العرب، ولأن الأمر لا يختلف كثيراً؛ فالناجون لهم نفس النسبة تقريباً قبل النبوة وبعدها؛ فنسبة الناجين من العرب كنسبة الناجين من قريش وقبائل الحجاز، وبقي القرآن حجة؛ وبقي النبي ابتلاء وتمحيصاً في قريش أكثر من غيرهم لدافع الكبر؛ وعند التوسع في أحوال المسلمين؛ سنعرف أنهم أضاعوا أكثر مما حفظوا، وقد جاءت النصوص بأنه (حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون)؛ وكذا أكثر العرب؛ فرحمة الله في ابتلاء العرب بالتمسك بمكارم الأخلاق، وابتلاء قريش بالصادق الأمين، سيكون الناجون من هؤلاء وهؤلاء بنسبة واحدة، والله أعلم بهم؛ وهذا يفسر فترات النبوات، فلا خوف على من مات في الفترة، لأنه إن وظف عقلة وقلبه وسمعه وبصره سيكون من الناجين، وإن تجبر وتكبر سيكون هالكاً.
لا تظنوا أن الله ظلم العرب إذ لم يبعث فيهم أنبياء؛ ولا أصحاب الفترات؛ لعل حسابهم أخف؛ لتشوش الحجة؛ ولعل الحساب أعظم على من لقوا النبي وعرفوه.
نعم؛ يبقى فضيلة النبوات في تجديد الحجة لتكون حديثة عهد بالله، وقد بقي القرآن على مدى الدهر وارتفعت به المعرفة الإنسانية لله وسننه وشرعه.
الخلاصة: لن يدخل أحد النار إلا وهو يعلم يقيناً أنه مستحق لها، فلا داعي للخوف بأن الله سيحشر كل من عاش في الجاهلية في النار، هذا كلام سياسي؛ وكذا لا قلق بأن الله سيحشر الصينيين والهنود والأفارقة والأمريكان والأوروبيين في النار.. كلا؛ الله بصير بالعباد؛ ولا يظلم الناس مثقال ذرة.
الظن بأن الله يحشر الجميع إلى النار إلا نحن، هذا كلام من لم يقرأ القرآن ولا يعرف غاياته، هو كلام الثقافة النفاقية التي لا تفهم الله. الله أعدل وأجل وأعلى من أن يحاسب الناس على معلومة علموها أو لم يعلموها، فالله رب العالمين؛ والقرآن ذكر للعالمين؛ والنبي رحمة للعالمين.
يجب على مسلسلات وافلام السيرة والنبوات أن يعرّفوا الناس على غايات الأديان والرسالات؛ وأن الله لم يبعثها إلا (ليقوم الناس بالقسط)؛ وليست للمفاخرة؛ فأينما تحققت غايات القرآن - من العدل والصدق والعقل وكف الأذى وتفعيل الحواس والملكات والتفكر والتدبر والبر والإحسان - فهذا دين الله وغايته.
المسلسلات والافلام هي تبع للثقافة - ثقافة الرأي العام الإسلامي - وقد تشوهت بإضاعتها لفهم الله ومعرفته ومعرفة عدله، والواجب عليها إحياء عالمية الدين؛ عالمية الإسلام - وله معنى قرآني غير الشعبي كتبت عنه - وعالمية النبي؛  وعالمية القرآن؛ هو التحدي الثقافي الأبرز لكل الأعمال الخاصة بالنبوات. ولا أرى أن العرب سيعرفونه؛ ولا الإيرانيين، فالجميع منشغل بتسطيح الدين في شكل معارك وعسكرة وفخر ودعايات ساذجة غير مقنعة؛ لا لهم ولا للعالم.


لمطالعة سلسلة " عالمية القرآن !" على هذا اللرابط «««

  • المصدر : http://www.almaliky.org/subject.php?id=1234
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2015 / 09 / 04
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 12 / 12