• الموقع : حسن بن فرحان المالكي .
        • القسم الرئيسي : المقالات والكتابات .
              • القسم الفرعي : تغريدات .
                    • الموضوع : الخلاف بين ((الصحابة))؛ ما قصتها؟! .

الخلاف بين ((الصحابة))؛ ما قصتها؟!


                الخلاف بين  ((الصحابة))؛ ما قصتها؟!


تشرب الخصومات؛ والتعبد بها؛ مشكلة لا ينفع معها نص صحيح ولا عقل صريح؛ تعظيم الرموز العلمية؛ وأنهم يعلمون كل شيء؛ وأنهم أبرياء من الهوى.. هو الهوى. اترك الرموز وابدأ من الله؛ اترك المصادر وابدأ من القرآن؛ اترك المظنون وانظر إلى القطعي؛ ثم ليقودك الصريح والقطعي في مشوارك المعرفي الجديد.

كثيراً ما أحاول في السنوات الأخيرة تجاوز التاريخ إلى مشتركات الدين العليا؛ ولكن الناس مغرمون بالتاريخ.
أجد الجميع يخالفني إلا الندرة؛ الموافق لي والمخالف  مشغول بالتاريخ، ويعيد الأحداث؛ فهل هم على الحق، وأنه لابد منه؟ أم أنه يمكن تجاوزه؟
عند التحقيق؛ سنجد المشتركات الدينية والتاريخ لها أهميتها، وتكمل بعضها؛ لكن؛ كثير من الناس لا يستفيد من هذا ولا هذا؛ يخاصم فقط؛ ولا يريد أن يفهم!
الخلاف؛ أو حتى التقاتل بين ( الصحابة) - وهي تسمية أتحفظ عليها- يمكن الاستفادة منها معرفياً؛ فالتاريخ وأحداثه عبر ودروس؛ ولكن أين المشكلة؟ المشكلة أن الذي يقرأ التاريخ وهو مهمل لقواطع الدين ومشتركاته؛ من الصدق والتفكر والشهادة لله ..الخ؛ ستكون قراءته للتاريخ ضارة له ولغيره؛ وعلى هذا؛ يمكن الجمع بين تفعيل (قطعيات الدين) و(قراءة التاريخ)؛ سواء في تقييم الأحداث أو الأشخاص؛ فالصدق وأخلاق المعرفة مقدمة لابد منها؛ الجهل بالمشتركات الدينية؛ كالصدق؛ أو الاستخفاف بها؛ أو ضيق النفس بها نتيجة الهوى؛ سيؤدي قطعاً إلى تناقض في قراءة التاريخ وخصومات لا تنتهي؛ والخلاف في التاريخ ليس نتيجة اختلاف أو ظنية روايات؛ وإن كان هذا جزء من المشكلة؛ لكن؛ إهمال المشتركات؛ كالصدق؛ وغلبة الهوى؛ هو أكبر عوائق المعرفة؛ والدليل على أن المشكلة في القلوب التي تأبى الحقيقة؛ وليس في الحقائق نفسها؛ أن هناك آيات كريمة تتحدث عن السيرة والصحابة ولا يؤمن بها الكثير. فإذا رفض القلب - صاحب الهوى - أن يؤمن بآيات كريمة كما قالها الله، وحاول تحريف معناها إلى ما يريد، فمن باب أولى ألا يقف عند رواية ما؛ مشكلة هذا المسلم هو في قلبه لا في المادة المتوفرة.
المادة المتوفرة الصحيحة كافية لرسم خطوط عامة لتقييم الأحداث والأشخاص؛ ليس التاريخ طلسماً؛ ولو أن المسلمين؛ سنة وشيعة؛ بدؤوا من أعلى الهرم نزولاً؛ لدلهم صريح القرآن على مشتبهه؛ وصحيح الحديث على ما يشبهه؛ وصحيح الروايات على قرائنها.
المشكلة أن المسلم غير مرتب عقلياً ومعرفياً؛ فلا يبدأ بالقرآن؛ وإذا بدأ به لا يبدأ بقطعي الدلالة؛ وإذا وجدها هرب إلى ظن موهوم أو سائد فاسد؛ إذا ضبط المسلم نفسه انضبطت معرفته؛اهتزاز المعرفة من الداخل؛  من اضطراب هذا القلب وخوفه من المعرفة وهروبه منها وتحايله عليها؛ هنا المشكلة.
تشرب الخصومات؛ والتعبد بها؛ مشكلة لا ينفع معها نص صحيح ولا عقل صريح؛ تعظيم الرموز العلمية؛ وأنهم يعلمون كل شيء؛ وأنهم أبرياء من الهوى.. هو الهوى. اترك الرموز وابدأ من الله؛ اترك المصادر وابدأ من القرآن؛ اترك المظنون وانظر إلى القطعي؛ ثم ليقودك الصريح والقطعي في مشوارك المعرفي الجديد.
مثال:
ربما ورثت عن المدرسة والبيئة أن الحدث الفلاني كذا؛ أو الصحابة كذا؛ سواء من يذم  بغلو أو يمدح بغل؛ كيف تتحقق من صحة ما ورثته؟
أول ما يجب عليك فعله أن تهديء قلبك - أن تضبط الداخل لتعرف الخارج - مثل المصور ، لابد أن يكون هادئاً لتظهر الصورة سليمة وهادئة؛ هذا أول واجب؛ بعد ذلك؛ أن تستعيد الثقة بالله بأنه قد أودع كتابه ما يرفع هذا اللبس والخوف والقلق؛ ثق في الله وسيعلمك؛ ولتكن ثقتك فيه أكثر مما ورثته؛ ثم اسأل نفسك: هذا الموضوع الذي أنا مهتم به (وليكن الصحابة مثلاً)؛ أليس هناك مادة ضخمة في كتاب الله عن هؤلاء؟
قطعاً ستتذكر وتقول : بلى..
حسناً؛ ما الواجب عليك الآن؟ أليس أن تجمع المادة كلها؟ ثم بعد ذلك تتدبرها؟ وأن تجعلها هي الحاكمة على ما ورثته؛ فالقرآن حاكم على الثقافة كلها..؟!!
لا يستعجل الآن بعضكم ويقول : قد قال الله كذا وكذا .. قلت: اجمع المادة كلها - الخاصة بالصحابة - واترك الأفكار المسبقة والتوظيفات المذهبية؛ تذكر الواجب الأول، وهو ايقاف الاضطراب الداخلي؛ جوابك السريع يدل على الاضطراب؛ استعد الثقة بالله؛ وتعوذ من الشيطان؛ هو يريد لك الجهل والهوى.
الشيطان يريد لك ما أنت فيه من قلق وجهل وحقد وعدواة؛ فهو (يغريك بالعداوة والبغضاء والعجلة حتى يحرمك العلم)؛ ولن يتمكن من العاقل الهاديء؛ إذاً؛ اجمع المادة القرآنية عن (الصحابة) = وفق التسمية المشهورة؛ وحاول أن تتحقق من هذا الاسم أولاً؛ ابحث؛ هل تجده في القرآن أم لا؛ جرّب أولاً..
طبعاً لن تجده؛ وهذا يفتح أسئلة، أهمها : لماذا لم يذكره الله؟ هل هذا نقص في القرآن أم كمال في الموروث؟ أم العكس؟
ايش القصة?!
تفلسف معرفياً؛ قطعاً إذا كنتَ  مؤمناً ستقول: بل الكمال كل الكمال في القرآن. لا يمكن أن تكون ألفاظ التراث أكمل وأكثر علمية من ألفاظ القرآن.
إذاً؛ أول مفاجأة؛ حاول بعد ذلك استخدام الألفاظ القرآنية وتقديمها على ألفاظ التراث عند الاختلاف؛ واستضيء بالقرآن - ألفاظه ومعانيه - فسيخرج من القلق والجهل؛ بعد ذلك؛ ستجد الألفاظ القرآنية – البديلة - كالمتبعين وفروعهم من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، ستجد لكل هذه الألفاظ معاني قرآنية..
ستجد للمهاجر قيود؛ مثل (إن كنتم خرجتم في سبيلي)؛ وللأنصاري؛ مثل (يحبون من هاجر إليهم)؛ ولأهل المعية  في الآية (والذين معه) موصوفة بما بعدها..
حاول أن تتعلم (الدقة القرآنية) وتبتعد عن (الاعتباط والعجلة التراثية المذهبية) التي فرقت المسلمين؛ بهذا سيعلمك القرآن إذا كنت صادقاً؛ لا تشاركهم في اتخاذهم القرآن (مهجوراً) لفظاً ومعنى؛ وأصر على إحياء ألفاظه ومعانيها؛ ثم بناء الأفكار الصحيحة التي تكون بها مذهباً لنفسك؛ ليس عيباً أن تكون لك مذهباً خاصاً، بل هو الأصل؛ وهذا معنى (ترك التقليد) للقادر؛ بل المذاهب أصلها مذاهب فردية؛ وإنما تبعهم الناس فيما بعد؛ بعد إحياء الألفاظ القرآنية المهجورة؛ وإحياء معانيها المهجورة؛ وإحياء قيودها المهجورة.
تستطيع أن تعرف (التاريخ المهجور) في القرآن الكريم؛ وستجد أن القرآن يصلح بين المسلمين؛ بسائر طوائفهم وتياراتهم؛ ستعرف أن سبب اختلافهم اللاحق هو اختلافهم السابق في الكتاب؛ ففسادهم بدأ من هناك؛ وستجد عندئذ أنك تفهم (الصحابة) - حسب التسمية الشائعة لا القرآنية -  تفهم طبقاتهم وأحوالهم وأصنافهم، وتعقل الأحداث الأولى وشخصياته بلا خوف.. عندها ستفهم الخلاف بين (الغدير والسقيفة)؛ والخلاف في (فتنة عثمان)؛ وفي أحداث الجمل وصفين والنهروان؛ لأنك ستفهم هذا (الصحابي) من جميع جوانبه.
مشكلتك فيك؛ لا في أن الصحابي نزل من السماء؛ ولا في كون القرآن لم يوضح أن فيهم (الطيب والخبيث)؛ ولا في حقائق التاريخ
الخ؛ المشكلة عندك أنت! بل حتى تراثك؛ الذي تنتمي إليه؛  يثبت أن فيهم المؤمن والمرتد؛ والصادق والمتربص؛ والثابت والمذبذب؛ والمجاهد والمتثاقل؛ وكل هذا في القرآن قبل؛ إذاً؛ فلا تناقض بين مشتركات القرآن؛ من صدق وعدل وأخلاق معرفة وتدبر وشهادة لله؛ وبين الوعي التاريخي بالأحداث والشخصيات؛ بل هما يتكاملان؛ إنما المشكلة في المسلم الذي استولى عليه الشيطان
وزين له الجهل والعداوة والبغضاء؛ العجلة والخصومة؛ والسوء والفحشاء؛ وأن يقف ما ليس له به علم.
المعرفة موجودة؛ معروضة في كتاب الله وفي ما يشبهه من حديث
وفيما أجمعوا عليه من حقائق؛ وإنما الهوى والعصبية يشتتونك عن هذه الأمور الواضحة.
سأختم بسؤال  ثم جوابه؛ وهو: هل في عقيدتك - التي تعلمتها في المدرسة أو من تراثك - أن في الصحابة ( المؤمنين) الخبيث والطيب؟
الأغلب سيقول "لا"؛ بل؛ ربما الأغلب يعد هذا القول من الغرائب والتناقضات؛ فكيف يمكن أن يكون المؤمن خبيثاً؟ وهكذا تدفعله العجلة للبت والحكم والرد ... قبل أن يفهم!
طيب، اسمع، اهدأ، تعوذ من الشيطان؛ لا تجعل جهلك بالقرآن حكماً عليه؛ ألا ترضى بالقرآن معلماً وحاكماً؟ إذاً اسمع قوله تعالى: { مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۚ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (179)} [آل عمران]
اقرءوها جيداً؛ وبهدوء؛ أليس القرآن في الآية صريحاً بأن (الإيمان) دائرة واسعة يدخل فيها (الخبيث والطيب)؟ أليس هذا من أصرح وأوضح الآيات؟
نريد هنا الشهادة لله؛ إذا كنت منصفاً ستقول: "بلى" وربما تقول: "أنا تفاجأت؛ وكأنني أول مرة أقرأ هذه الآية"؛ وهذا هو المطلوب، دع القرآن يعلمك؛ فهو أصدق معلم.
هذا نموذج واحد فقط، من مئات النماذج - إن لم يكن الآلاف - الذي تسفيد منه؛ وتبني به ولأمثاله (حواضن قرآنية) تفيدك عندما تنزل لدراسة التاريخ؛ فإذا التزمت بهذه الآية؛ التي قد تؤلمك؛ فهذا المطلوب، أن تؤمن في ما تحب وتكره؛ (ولا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما)؛ فإذا دربت نفسك على أن تؤمن وتسلم فيما تحب وتكره؛ فهذا محض الإيمان؛ وبهذا ستدرب نفسك على تخطئة الطرف الآخر - فيما أخطأ فيه -  بالمنهج نفسه.
عندما تبحث في القرآن ، احذر أن تتذكر الخصومات، فهي وسيلة الشيطان في صدك عن الهدى،، افهم عدوه، هو يريد لك استمرار الجهل والهوى والخوف؛ ولا تقول إن الفرز قد حصل كله، قبل نزول الآية؛ أو أن الله وعد بالفرز ولكن لم ينفذ – حاشاه – كلا؛ الفرز والتمييز مستمر،  قبل وأثناء وبعد؛ ومما يدل على الفرز المستقبلي تكملة الآية {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ}؛ أي؛ لن اقول لكم الآن متى أميزكم وبماذا..
والخلاصة:
أن مشتركات القرآن عليك إحياؤها في نفسك حتى ترى القرآن غضاً كما أنزل؛ وتجنب الأفكار المسبقة لترى النور؛ ولا تشترط على الله نجاة قوم.

  • المصدر : http://www.almaliky.org/subject.php?id=1476
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2016 / 09 / 05
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 11 / 22