• الموقع : حسن بن فرحان المالكي .
        • القسم الرئيسي : المقالات والكتابات .
              • القسم الفرعي : مقالات وكتابات .
                    • الموضوع : توظيف المشترك..معقول هنا.. ملعون هناك! .

توظيف المشترك..معقول هنا.. ملعون هناك!

جريدة الكويتية

عندما ينصح الناصحون التيارات (الإسلامية) التي هي في حقيقة الأمر (مذهبية وليست إسلامية، فعندها من المذهب عواليه ومن الدين أصاغره)، عندما ينصحها الناصحون بأهمية توظيف المشتركات الكبرى، من قطعيات الدين والوطن والإنسانية والمعرفة والتعاون على البر والتقوى..إلخ، فإنها تكابر أو تتجاهل هذه النصيحة الذهبية، وترى في هذه النصيحة تفريطاً في (العقيدة والمنهج)، وما أشبه ذلك من المخترعات اللفظية المذهبية المفرقة، وتستمر عبر قنواتها ومحابرها ومنابرها ودفاترها ووشاياتها في التحريض على هذا المسلم الذي يختلف معها في هذه التفصيلات المذهبية، (التي قد جعلتها هي لا الله أنها من أساسيات الدين ولوازمه)، وهذه التفصيلات قد تكون خلافاً في تفصيل سياسي أو تاريخي أو فقهي أو إيماني، فتهمل كل القطعيات الكبرى المشتركة التي من أهمها (التعارف نفسه، والتواصل وحسن الظن والمعرفة والتواضع والصدق والعدل ..إلخ)،

كل هذه المشتركات الكبرى لا تهتم بها التيارات (الإسلامية) إلا فيما بينها فقط، وترى أن توظيفها مع الآخر غير مقصود في الشرع! وأن ذلك التوظيف مع الآخر من العدل معه مثلاً أو الاعتراف ببعض فضله وحقوقه هو نوع من الرقة في الدين، ودلالة على جهل الناصح! وهم هنا يهملون هذه المشتركات الكبرى ليس لأن الله لم يأمر بها ويعظمها في كتابه الكريم، كلا.

وليس لأن النبي صلوات الله عليه وسلامه لم يفعّلها في سيرته مع الأعراب والمنافقين بل وحتى اليهود كما في وثيقة المدينة، كلا.
وليس لأن العقل والمعرفة تحث عليها.. كلا.

وإنما لسبب آخر وهو: أن المذهب ورموزه عطلوها ولم يعظموها، وعظموا الفرعيات ولم يهملوها، هذا هو السبب فقط!
فتعصب الرموز وشكلوا المذاهب وتبعهم أتباع المذهب، فتنافر الدين وأهله وتخاصمت الدنيا وأهلها، كل هذا البلاء من ترك طاعة الله في توظيف المشترك الجامع على البر والتقوى، والإقبال على الرموز والمذاهب في توظيف الخصائص المفرقة على الكراهية والتدابر، وكأن لهؤلاء الرموز المذهبية القائدة حقا أن يهوّنوا ما عظمه الله، وأن يرفعوا ما هونه الله، كأن الرموز المذهبية هم الحاكمون على الله ورسوله وشرعه وليس العكس.

ولكن مع هذا كله، قد تكتشف بأن هؤلاء القالبين للدين رأساً على عقب، وفرعاً على أصل، ومذهباً على دين، هم في حقيقة الأمر مخادعون انتقائيون، لأكثر من دليل.

الدليل الأول ( تراثي): وهو أنهم قد يشنعون على شخص أو مذهب وربما يكفرونه بأمر قد فعل بعض رموزهم مثله أو ما هو أعظم منه (وهذا قد كشفناه مفصلاً في كتاب: قراءة في كتب العقائد)، وأخذنا تياراً واحداً من التيارات الإسلامية نموذجاً، ورأينا أن ما يطعن به في الآخرين قد فعله أرباب المذهب، من الغلو في الأشخاص والتكفير والاحتجاج بالأحاديث الموضوعة والزيغ في العقائد ..إلخ، فلماذا لا يطّردون في التشدد والتشنيع والتبديع والتكفير؟ فهذا السكوت عن أخطاء الذات والمذهب والرموز والتستر عليها مع الحرص على تعظيمها في الآخرين خيانة وقلة دين وشهادة للمذهب لا لله، وهو ينبئ عن نوع من نفاق لا يعرف عنه عامة أتباع المذهب، فقد يتفاجأ العامة بذلك لو اكتشفوه، أما الرموز فيعرفون ويتكتمون، ويستمرون في التشنيع بالأمور نفسها على الآخرين فقط!

الدليل الثاني ( واقعي): وهو يكشف مدى جدية هؤلاء، وهو أنك لا تجد داعية أو شيخاً غالباً إلا وهو منطلق في دعوته المذهبية، لا يبقي ولا يذر من عبارات التحريض على الآخرين (المختلفين معه من مذاهب أخرى)، ويتمنى أن يرى دماءهم تسيل في الأزقة والشوارع وبين الخضار والفواكه، بأي شيء، بتفجير أو انتحار أو قتل رسمي تحت أي تلفيق شرعي.. إلخ، لكن هذا الداعية نفسه قد يكون له قريب ملحد تماماً لا يؤمن بخالق ولا نبي ولا معاد! أو قريب آخر مصر على الفواحش ما ظهر منها وما بطن! ولكنه مع هذا يتواصل معه ويقوم بواجب القرابة، من زيارات في المناسبات ولا يقاطعه ولا يحرض عليه ..إلخ، فهو يوظف (هذا القدر المشترك) وإن قل، وهذا جيد، ولكن لماذا لا يوظف المشترك الأكبر مع من يشنع عليه ممن يشترك معه ويؤمن بالله والنبوات والمعاد، ويتفق معه في أوامر الإسلام الكبرى ونواهيه الكبرى ..إلخ.

الجواب:
هي الجاهلية فقط، التي تسللت داخل الثوب المذهبي، فالجاهلي يهجو القبيلة الأخرى بالبخل والجبن والفضائح التي تشاع عنهم وقد يكون فعلها بعض أفرداهم، بينما يتستر على قبيلته ويكتم على مثالبها ومجرميها، فهذه هي الجاهلية تماماً التي تسربت إلى المذاهب، وجعلته ينطق باسم شاعر القبيلة الجاهلية، فالمتن جاهلي بألفاظ إسلامية.
والعلاج: أن تكون شهادات المذاهب ورموزها وأتباعها لله فقط، فتوظف المشتركات مع كل الخلق، ليس مع المسلمين فقط، بل مع كل الإنسانية، وأن تضع المذاهب الفضيلة أو الذنب في موضعها الشرعي لا موضعها المذهبي، وتقول للمحسن أحسنت ولو كان بعيد الدار والنسب والمذهب بل والدين، وتقول للمسيء أسأت ولو كان القريب والحبيب والمتحد في الرؤية.

هنا فقط نستطيع أن نقول (إننا نعبد الله وحده لا شريك له). فعبادة الله ليست بالأمر السهل، ليست بأن تختار من عبادة الله الصلاة والصوم فتطيعه فيها، وترفض من عبادة الله العدل والصدق فتعصيه فيها، فهذه الانتقائية مجرد تحكم بشري متكبر، مغتبط بالتشريع المذهبي لا الإلهي، ومدمر للمبادئ الكبرى ومفسد للعلاقات بين بني البشر، ومسبب رئيس في انتشار الكراهية والتخلف عند المسلمين، بما لا يوجد في أمة من الأمم.


  • المصدر : http://www.almaliky.org/subject.php?id=164
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2012 / 12 / 15
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 11 / 12