• الموقع : حسن بن فرحان المالكي .
        • القسم الرئيسي : المقالات والكتابات .
              • القسم الفرعي : تغريدات .
                    • الموضوع : آية الجزية ... والمعنى الذي غاب عن التنويريين والمقلدين معاً! - ألجزء الثالث عشر - .

آية الجزية ... والمعنى الذي غاب عن التنويريين والمقلدين معاً! - ألجزء الثالث عشر -


آية الجزية... والمعنى الذي غاب عن التنويريين والمقلدين معاً!


                                              - ألجزء الثالث عشر -

                            قريش وحلفاؤها في سورة التوبة - الجزء الثامن -



نواصل تدبر سورة التوبة فيما يخص تاريخها فقط، أعني الأحداث التاريخية فيها؛ وقد سبق أن كشفنا أكبر تزوير نال هذه السورة العظيمة، وهو ما زعمته ثقافة النفاق من أن السورة نزلت بنقض العهود والمواثيق؛ وأنها لحرب كل من لم يؤمن بالسيف، وأنها تفرض الصغار والذلة  على كل كتابي؛ بل وأن آية السيف والجزية فيها تنسخ كل آيات الرحمة والصفح والصبر .الخ، والمسلمون ساكتون!
النادر من المسلمين من يقول آية السيف نزلت في المشركين الذين نقضوا العهود؛ النادر من يقول الجزية والصغار على أحلافهم من اليهود؛ رغم كل الأدلة؛ وسبب ذلك أن المسلمين قد وقعوا في خدعة كبرى، مفادها أن النبي عاش ملكاً يأمر فيطاع؛ من أقصى الجزيرة إلى أقصاها؛ بينما الواقع غير ذلك تماماً؛ الواقع الصحيح هو ما ينقله لنا القرآن الكريم - وخاصة المتأخر نزولاً كالتوبة - فهو يخبر عن تحالفات وعصياناً وتفلتاً وانشقاقاً يشمل الأكثرية.
حتى يعقل المسلمون هذا الواقع الذي ينقله القرآن يحتاجون لوقت طويل؛ فما دونته كتب التاريخ ومناهج التعليم قد استقر في الأذهان؛ ولا يتزحزح بسهولة؛ يحتاج المسلمون إلى من يصيح فيهم قائلاً: استيقظوا؛ أنتم في خدعة كبيرة؛ لقد خدعتكم ثقافة النفاق القديمة التي وظفت القرآن في التوحش والإكراه؛ أنتم مخدوعون عندما تصدقون أن الله ورسوله نقضا عهداً؛ أو أكرها أحداً على دين؛ أو شرّعا انتهازية؛ أو ضخما خبراً عادياً؛ القرآن أصدق مما ورثتموه.
نواصل، الآيات  17- 22: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (17)}؛ إذا ربطنا الآية بما سبقها من الآيات، فهي تعني أن هؤلاء  المشركين هم الذين نقضوا العهود والمواثيق؛ وهم الذين شكلوا التحالفات الظاهرة والسرية للقضاء على النبوة؛ وهم الذين أرادوا إخراج الرسول.. الخ؛ وليس أي مشركين؛ والآية تشير إلى مركز وتمركز هؤلاء المشركين أيام سورة براءة، وهي مكة (المسجد الحرام)؛ أي قريش بالدرجة الأولى، وبعد تظاهرهم بالإسلام .. قريش بعد فتح مكة لم تسلم؛ ولكنها استسلمت؛ خططت لاغتيال النبي في مكة؛ وخططت مع هوازن للوقيعة بالنبي يفي حنين؛ وخططت يوم تبوك؛ لم تنس ثاراتها أبداً؛ والغريب أن النبي قال (لا هجرة بعد الفتح)؛ كأنه يريد منهم البقاء في مكة لكف شرورهم؛ ولأنه يعرف تمكن العصبية والمكر والحسد فيهم؛ ولكن ماذا حصل؟ لقد أصر بعض زعمائهم لى الانتقال إلى المدينة، ليخطط من قرب؛ وليراقب عن قرب؛ ولينعش الحلف القديم مع اليهود والمنافقين؛ وإلا فليس هناك ذلك الإيمان.
حتى بقاء النبي في المدينة دون مكة - مع أن مكة أفضل - لعل من أسباب ذلك أن يكفوا شرهم عنه، فلا يأمن في مكة أن يقتل عند المسجد الحرام في أي صلاة؛ النبي يعرف قريشاً تماماً، يعرف أنه أكلها الحسد والعصبية مع الثارات وقتل الأحبة ..الخ؛ لذلك قال (لا هجرة بعد الفتح)؛ لعلهم يبقوا؛ لكنهم أبوا ..
قدم أبو سفيان المدينة وكانت له حركات مريبة؛ لقد بدأ يشق الصف المسلم من جديد، كما يذكر التاريخ في قصة اختصام أبي بكر مع بعض المهاجرين؛ فكان المستبصرون في قريش وزعيمها يقولون: لم تأخذ سيوف الله من عدو الله مأخذها، وأقرهم رسول الله وعاتب أبا بكر، والقصة في صحيح مسلم وغيره؛ ففي صحيح مسلم (4/ 1947) عَنْ عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ، أَتَى علَى سلْمَانَ، وَصُهَيْبٍ، وبِلَالٍ فِي نَفَرٍ، فَقَالُوا وَاللهِ ما أَخَذَتْ سيوفُ اللهِ مِنْ عُنُقِ عدُوِّ اللهِ مأْخَذَهَا قَالَ فقَال أَبُو بكْرٍ: أَتَقولُونَ هذَا لشَيْخِ قرَيشٍ وَسَيِّدِهِمْ؟ فَأَتَى (أبو بكر)  النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ علَيْهِ وَسلَّم فَأَخبَرَهُ؛ فَقَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ لَعَلَّكَ أَغْضَبْتَهُمْ؟  لَئِنْ كُنْتَ أَغْضَبْتَهُمْ، لَقَدْ أَغْضَبْتَ رَبَّكَ» اهـ..
وهذا إقرار من النبي لهؤلاء المستبصرين في أبي سفيان بأنه نجا من عقوبة مستحقة؛ وأنه ليس مؤتمناً على دعوى إسلام ولا غيره؛ ولا ينقضي تعجبي من أبي بكر كيف يقول عنه (سيد قريش) والنبي حي بينهم؟ أليس النبي سيد قريش وولد آدم؟ ثم؛ كيف ينوب عن أبي سفيان ويذهب مشتكياً هؤلاء النفر الصالحين إلى النبي من أجل أبي سفيان؟  ليته أقرهم ليشعر أبو سفيان بالمحاصرة ويرعوي فمن هذا الحديث فقط - الذي في صحيح مسلم - يدل على أن أبا سفيان قد استطاع شق الصف إلى حد ما، فقوم يقولون عنه سيد قريش، وآخرون يذمونه ويتمنون لو أنه قتل.
والحديث يظهر أن النبي كان مع الفريق الذي يسمعه شديد الكلام حتى يرعوي ويجد صلابة في الصف المسلم ولا يحاول جمع أحلاف ولا غير ذلك..
بقية الحديث: (فَأَتَهُمْ أَبُو بكْرٍ فَقالَ: يَا إِخْوَتَاهْ أَغضبْتكُمْ؟ قالُوا: لَا يَغْفِرُ اللهُ لَكَ يَا أَخِي)؛ واللفظ لا يخلو من إشكال؛ وعلى كل حال؛ يهمنا هنا موقف النبي صلوات الله وسلامه عليه و آله؛ فهو يقر تبكيت أبي سفيان وإسماعه شديد الكلام حتى لا يطمع في قدومه إلى المدينة؛ في إحداث أي انشقاق بين المسلمين؛ وفي الحديث أيضاً أن بعض الصحابة كانوا يعظمون أبا سفيان ويجعلونه (سيد قريش) في حياة النبي نفسه، فأثره كبير؛ قريش بعد إسلامها تآمرت مه هوازن يوم حنين أن تنهزم بالمسلمين؛ أي أن يبقى النبي وحده في المقدمة ويتم قتله؛ وهذا السر باح به بعض الطلقاء؛ وهو النضير؛ أو النضر بن الحارث؛ أما أنهزام قريش وحلفاؤها بالمسلمين يوم حنين ففي صحيح مسلم وغيره من حديث أم سليم، إذ قالت - كما في صحيح مسلم (3/ 1442) -  (اقْتُلْ مَنْ بَعْدَنَا مِنَ الطُّلَقَاءِ انْهَزَمُوا بِكَ؟ فَقالَ رَسُولُ اللهِ «يَا أُمَّ سُلَيْمٍ، إِنَّ اللهَ قَدْ كَفَى وَأَحْسَنَ» اهـ
ومن حديث أنس في قصة يوم حنين في صحيح مسلم (2/ 735): ( .... وَمَعَهُ الطُّلَقَاءُ، فَأَدْبَرُوا عَنْهُ، حَتَّى بَقِيَ وَحْدَهُ)!!
إنها مؤامرة.
وأما اعتراف النضير بن الحارث بمكر قريش وتآمرهم مع هوازان؛ ففي أقدم المصادر التاريخية (طبقتات ابن سعد)، وهذه شهادته:  ففي الطبقات الكبرى - متمم الرابعة (ص: 262) قال النضير بن الحارث في رواية طويلة - وكان من الطلقاء - فكان منها (ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلَّمَ إِلَى حُنَيْنٍ فَخَرَجْتُ مَعَ قَوْمِي مِنْ قُرَيْشٍ وَهُمْ عَلَى دِينِهِمْ بَعْدُ وَنَحْنُ نُرِيدُ إِنْ كَانَتْ دَبِرَةً عَلَى مُحَمَّدٍ أَنْ نُعِينَ عَلَيْهِ فَلَمْ يُمْكِنَّا ذَلِكَ) اهـ المراد: هذه هي قريش (كانت تريد إن كانت الهزيمة على النبي أن تعين عليه)! وفي بعض الروايات - ولكن فيها ضعف - أن  قريشاً كانت قد أرسلت إلى هوازن بعد فتح مكة  أبا عامر الفاسق ومعاوية - وكان معهم وحشي -  لتحريض هوازن.
إذاً؛ نجد أن قريشاً بعد فتح مكة حاولت في حنين - وكانت على دينها الأول - ولم تنجح؛ ثم قدم أبو سفيان وغيره المدينة رغم أنه لا هجرة بعد الفتح؛ ثم أخذت قريش في جمع الأحلاف والتمركز بمكة شاهدين على أنفسهم بالكفر (أي عناد النبوة)؛ لا يبالون بالنبي مستمرين في اضطهاد المؤمنين وجمع الأحلاف؛ ومن تتبع قريشاً بعد عام الفتح سيجد أنها لم يقر لها قرار ، لا في حنين ولا الطائف ولا تبوك ولا في مكة ولا المدينة.... فهم موضوع سورة براءة؛ فقوله (ما كان للمشركين ...الآية) كأنها جواب على أصدقاء قريش من المسلمين الذين كانوا يرون أن لهم الحق أن يبقوا في مكة؛ ولو تظاهروا بالكفر.. وقصة قريش بعد إسلامها أخطر منه قبل إسلامها؛ لقد استطاعوا بعد إسلامهم أن يضروا الإسلام والنبوة أكثر مما ضروه قبل الإسلام؛ والناس يغطون عليهم.
ولعل البلاءات التي نحن فيها اليوم كان أكثرها - إن لم يكن كلها - من تلك الأحلاف الخفية التي أمر الله رسوله والمؤمنين بقتالهم والقعود لهم بكل مرصد؛ وربما لو نفذ المؤمنون ذلك - ولم يتفرقوا ويتقاعسوا ويتأثروا بسادة قريش - لما تم حرف الإسلام عن مساره وغاياته؛ وتذكروا (نظرية الفراشة)! بل كان النبي قبيل فتح مكة أراد استئصال قريش لولا تقاعس المسلمين؛ ولذلك دعا الأنصار - دون المهاجرين - وأمرهم بذلك - كما في بعض الأحاديث الغريبة - ومنها حديث لأبي هريرة في صحيح مسلم (3/ 1405) اقتصف منه: (فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَلَا أُعْلِمُكُمْ بِحَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِكُمْ يَا مَعْشَر الْأَنْصَارِ، ثُمَّ ذَكَرَ فَتْحَ مَكَّةَ، فَقَالَ: أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، فَبَعَثَ الزُّبَيْرَ عَلَى إِحْدَى الْمُجَنِّبَتَيْنِ، وَبَعَثَ خَالِدًا عَلَى الْمُجَنِّبَةِ الْأُخْرَى، وَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ عَلَى الْحُسَّرِ، فَأَخَذُوا بَطْنَ الْوَادِي، وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كَتِيبَةٍ، قَالَ: فَنَظَرَ فَرَآنِي، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: «لَا يَأْتِينِي إِلَّا أَنْصَارِيٌّ» «اهْتِفْ لِي بِالْأَنْصَارِ قَالَ: فَأَطَافُوا بِهِ، وَوَبَّشَتْ قُرَيْشٌ أَوْبَاشًا لَهَا، وَأَتْبَاعًا، فَقَالُوا: نُقَدِّمُ هَؤُلَاءِ، فَإِنْ كَانَ لَهُمْ شَيْءٌ كُنَّا مَعَهُمْ، وَإِنْ أُصِيبُوا أَعْطَيْنَا الَّذِي سُئِلْنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَرَوْنَ إِلَى أَوْبَاشِ قُرَيْشٍ، وَأَتْبَاعِهِمْ»؟ ثُمَّ قَالَ بِيَدَيْهِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، ثُمَّ قَالَ: «حَتَّى تُوَافُونِي بِالصَّفَا». فهذا المقطع غريب! دعوته للأنصار فقط وأمره بقتل أوباش قريش، ولكن الحديث فيه غموض ! وبقيته تقول (، قَالَ: فَانْطَلَقْنَا فَمَا شَاءَ أَحَدٌ مِنَّا أَنْ يَقْتُلَ أَحَدًا إِلَّا قَتَلَهُ، وَمَا أَحَدٌ مِنْهُمْ يُوَجِّهُ إِلَيْنَا شَيْئًا قَالَ: فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُبِيحَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ، لَا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ، ... الخ
يهمني في الحديث انفراده بالأنصار وأمرهم بقتل قريش! وهذا إن صح - وهو في صحيح مسلم - فهذا يعني أن بقية الحديث لا تصح؛ وربما أوله لا يصح؛ ففيه تناقض، وكأن المسلمين نفذوا ذلك، ولا يعلم ذلك.
والذي أرجحه - إن صح أصل الحديث - أن النبي أمر الأنصار بقتل قريش يوم الفتح، بعد أن اختلف المهاجرون القرشيون، ولم تكن كلمتهم واحدة؛ مما جعل النبي يعتمد على الأنصار فقط. ولكن؛ كان في الأنصار حلفاء لقريش؛ وخاصة من الأوس، فلم يتم قتل قريش، ثم ربما أشاعوا فيما بعد الأحاديث عن النبي ضد هذا.
لا تستطيع تلمس الحقيقة إلا من قليل من الأحاديث والروايات؛  وهذا الحديث شبه سورة التوبة، وكأن الأمر بقتال قريش في التوبة هو تصويب لما أراد؛ النبي فعله يوم فتح مكة، ضد قريش - قريش القتال لا قريش العامة والنساء والأطفال - ولو وجد النبي من المؤمنين إجماعاً لما انفرد بطليه إلى الأنصار؛ وحتى بعد سورة التوبة؛ كان التقاعس والتثاقل عن قتال قريش وحلفائها كبيراً، لذلك؛ لم نر تطبيقاً لها ولم يروَ ذلك؛ نعم؛ خفت المرض؛ لكنه بقي خبيئاً. وكم من أسرار ما زالت مطوية فيها المئات - وربما الآلاف - من الفراشات والنسور والصقور...
على كل حال؛ نواصل باختصار تدبر بقية الآيات إلى 22؛ ففي الآية 17 إخبار عن تلك الأحلاف بأن مآلهم النار؛ وهذا يدل على أن مطالبتهم بالتوبة هي فقط التوبة من الأعمال الجنائية (تشكيل الأحلاف ونحوها).
في الآية التي بعدها {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [التوبة: 18]
قوله (ولم يخش إلا الله) كأنها إشارة إلى قوله (أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه)؛ فهذا إخراج لمن يخشونهم من هذه الآية - أي المتقاعسين المتثاقلين المعظمين والمتعصبين لهم من المؤمنين. ثم الآية بعدها (أجعلتم سقاية الحاج..) كأنها انتقلت إلى فئة أخرى من المسلمين الهاشميين التي كانت حليفة لأبي سفيان وقريش؛ ولم تسلم إلا متأخراً؛ وأهل التفاسير قاطبة جعلوها في مجادلة  بين علي والعباس؛ وكان بين العباس مودة وصداقة مع أبي سفيان؛ فربما اغتر به؛ وكان علي على الجادة الأولى.
ففي الدر المنثور الدر (4/ 145)؛ وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس {أجعلتم سِقَايَة الْحَاج وَعمارَة الْمَسْجِد الْحَرَام} الْآيَة؛ قَالَ : نزلت فِي عَليّ بن أبي طَالب وَالْعَبَّاس رَضِي الله عَنهُ؛ وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَابْن أبي شيبَة وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ عَن الشعبِي  قَالَ: نزلت هَذِه الْآيَة {أجعلتم سِقَايَة الْحَاج} فِي الْعباس وَعلي تكلما فِي ذَلِك وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن الشّعبِيّ قَالَ: كَانَت بَين عَليّ وَالْعَبَّاس مُنَازعَة فَقَالَ الْعَبَّاس لعلي: أَنا عَم النَّبِي وَأَنت ابْن عَمه وإلي سِقَايَة الْحَاج وَعمارَة الْمَسْجِد الْحَرَام فَأنْزل الله {أجعلتم سِقَايَة الْحَاج} الْآيَة.
وأيضاً في الدر المنثور(4/ 146): وأخرج ابْن جرير عَن مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ رَضِي الله عَنهُ قَالَ: افتخر طَلْحَة بن شيبَة وَالْعَبَّاس وَعلي بن أبي طَالب فَقَالَ طَلْحَة: أَنا صَاحب الْبَيْت معي مفتاحه وَقَالَ الْعَبَّاس : أَنا صَاحب السِّقَايَة والقائم عَلَيْهَا؛ فَقَالَ عَليّ : مَا أَدْرِي مَا تقولون: لقد صليت إِلَى الْقبْلَة قبل النَّاس وَأَنا صَاحب الْجِهَاد؛ فَأنْزل الله {أجعلتم سِقَايَة الْحَاج} الْآيَة كلهَا اهـ
وعلى كل حال: فإن صحت هذه الأسباب لنزول الآية فالله يريد استنقاذ من يريد الله له الهداية من مكر قريش وفخرها على حساب الإيمان والجهاد. وقد كان العباس صديقاً لأبي سفيان؛ وهو الذي آمنه واستنقذه من القتل؛ ولكن العباس بعد نزول الآية أخلص للإمام علي وكان له بمنزلة كبيرة ولم يفارقه. وللإمام علي أكثر من قصة في زمن وأحداث سورة براءة؛ منها هذه الآية؛ ومنها استخلافه على المدينة أيام تبوك لكبح الأحلاف؛ ومنها أمره بإبلاغ براءة؛ والآيات إلى 22 في هذا المعنى؛ وفيها تبشير لعلي بالجنة إن صحت تلك الآثار - وهي كثيرة مع تعدد مخارجها حتى من طرق النواصب -  أذن الله بإخراجها.
عجبي من هذا الصحابي المثالي علي بن أبي طالب، لا نبحث مكاناً في سيرة ولا قرآن إلا وجدناه شمساً لا يتتعتع ولا يغتر ولا تصرفه الصوارف. فهذا العباس الهاشمي يغتر بالحجابة والسقاية ويؤمن أبا سفيان؛ وهذا أبو بكر يقول عن أبي سفيان سيد قريش ويدافع عنه؛ وهذا علي ثابت في الأحوال كلها.
اعذرونا في محبته، فإننا نجده كما قال عن نفسه مذكراً بسالف أيامه مع رسول الله : (فَقُمْتُ بِالْأَمْرِ حِينَ فَشِلُوا وَ تَطَلَّعْتُ حِينَ تَقَبَّعُوا، وَ نَطَقْتُ حِينَ صمتوا، وَمَضَيْتُ بِنُورِ اَللَّهِ حِينَ وَقَفُوا، وَ كُنْتُ أَخفضَهُمْ صَوْتاً وَأَعْلاَهُمْ فَوْتاً فَطِرْتُ بِعِنَانِهَا وَاِسْتَبْدَدْتُ بِرِهَانِهَا كَالْجَبَلِ لاَ تُحَرِّكُهُ اَلْقَوَاصِفُ وَلاَ تُزِيلُهُ اَلْعَوَاصِفُ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ فِيَّ مَهْمَزٌ وَلاَ لِقَائِلٍ فِيَّ مَغْمَزٌ ) اهـ
هكذا يجده المحققون إذا جهله المتعجلون والمتكبرون وأهل الحسد والدعة.
نلتقي في الحلقة القادمة؛ وفيها كشف أهم أسباب التقاعس التي حدثت للصف الداخلي للمسلمين؛ فقد سردها الله في الآيتين 23/ 24.



يتبع..

ألأجزاء السابقة:

لمطالعة "آية الجزية ... والمعنى الذي غاب عن التنويريين والمقلدين معاً! - ألجزء الأوّل -" على هذا اللرابط «««
لمطالعة "آية الجزية ... والمعنى الذي غاب عن التنويريين والمقلدين معاً! - ألجزء الثاني -" على هذا اللرابط «««
لمطالعة "آية الجزية ... والمعنى الذي غاب عن التنويريين والمقلدين معاً! - ألجزء الثالث -" على هذا اللرابط «««
لمطالعة "آية الجزية ... والمعنى الذي غاب عن التنويريين والمقلدين معاً! - ألجزء الرابع -" على هذا اللرابط «««
لمطالعة "آية الجزية ... والمعنى الذي غاب عن التنويريين والمقلدين معاً! - ألجزء الخامس -" على هذا اللرابط «««
لمطالعة "آية الجزية ... والمعنى الذي غاب عن التنويريين والمقلدين معاً! - ألجزء السادس -" على هذا اللرابط «««
لمطالعة "آية الجزية ... والمعنى الذي غاب عن التنويريين والمقلدين معاً! - ألجزء السابع -" على هذا اللرابط «««
لمطالعة "آية الجزية ... والمعنى الذي غاب عن التنويريين والمقلدين معاً! - ألجزء الثامن -" على هذا اللرابط «««
لمطالعة "آية الجزية ... والمعنى الذي غاب عن التنويريين والمقلدين معاً! - ألجزء التاسع -" على هذا اللرابط «««
لمطالعة "آية الجزية ... والمعنى الذي غاب عن التنويريين والمقلدين معاً! - ألجزء العاشر -" على هذا اللرابط «««
لمطالعة "آية الجزية ... والمعنى الذي غاب عن التنويريين والمقلدين معاً! - ألجزء الحادي عشر -" على هذا اللرابط «««
لمطالعة "آية الجزية ... والمعنى الذي غاب عن التنويريين والمقلدين معاً! - ألجزء الثاني عشر -" على هذا اللرابط «««

  • المصدر : http://www.almaliky.org/subject.php?id=1707
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2017 / 05 / 09
  • تاريخ الطباعة : 2018 / 01 / 17