• الموقع : حسن بن فرحان المالكي .
        • القسم الرئيسي : المقالات والكتابات .
              • القسم الفرعي : مقالات وكتابات .
                    • الموضوع : تلك الفئة المثالية.. لتدمير التواصل الإنساني (4) .

تلك الفئة المثالية.. لتدمير التواصل الإنساني (4)

جريدة الكويتية
الشيخ حسن فرحان المالكي


كان الغلو القديم قد تعرض لهزائم يعرفها الباحثون، لكن الغلاة يخفون هذا ويكذبون بأنهم ناظروا وانتصروا وكبتوا خصومهم وأفحموهم..الخ، ولكن الخصوم رغم ضعفهم وتعريتهم من الحماية السياسية كانوا يعاودون الكرة بعد الكرة ويهزمون الغلو والغلاة بمجرد سؤال من النوع البسيط..
فلما رأى الغلاة المتقدمون ذلك، وأيقنوا أنهم لا يستطيعون مقاومة الخصوم- رغم قلتهم وحصارهم سياسيا واجتماعيا- رأى الغلاة أنه لن يحمي أتباعهم إلا الإفتاء بتحريم (الجدل والمناظرة مطلقا) بل تحريم الحوار، بل تحريم رد السلام إذا ألقاه المسلم المخالف، وتشريع القطيعة كلها، من هجر حقوق المسلم مثل (زيارته إذا مرض، أوتشييعه إذا مات، أو رد السلام عليه إذا ألقاه...) وغير ذلك مما يعترفون به ويروونه في أحاديثهم بأنه (حق المسلم على المسلم)، وتحايلوا على هذه النصوص التي كانوا قد صححوها، بعملية مخادعة وهي قصر الحقوق على أنفسهم، فالمسلم عند أهل الغلو هو ( المسلم بمعيار المذهب وليس المسلم بمعيار الإسلام)، وبهذا إذا قيل له (حقوق المسلم) فإنه يفسر المسلم هنا بأنه (المسلم السليم من البدع)، وينسون أن هذا القول نفسه تحكم في النص، بل هو نفسه البدعة، فهو قول مُبتدع، وتخصيص وتحكم لا نجده في النصوص التي يصححونها، وكان النبي صلوات الله عليه يرد السلام على المنافقين ويزور حتى اليهودي إذا مرض.. الخ.
وعلى هذا، فلينتبه من لا يعرف الغلو، أن كل مصطلح أو لفظ تسمعونه من الغلاة هو قول خادع غالبا، والخطاب المتكون من عدة جمل، هو خطاب مشفر تلقائيا! ينخدع به عامة الناس ويفككه خاصتهم! كالمثال السابق مثلا، فإذا سمعتم أحدهم يقول: (حق المسلم على المسلم كذا وكذا) فهو لا يقصد المسلم عند الله، ولا المسلم الذي عند سائر الناس، وإنما المسلم الذي على معاييرهم المذهبية، فلذلك لا يطبقون هذه الحقوق مع المسلمين المخالفين لهم- وهم أغلبية المسلمين- فلا يردون السلام على أي مسلم، ولا يعودونه إذا مرض، ولا يشيعون جنازته إذا مات، ولا يشمتونه إذا عطس، ولا يجيبونه إذا دعاهم، ولا ينصرونه إذا ظُلِم، ولا يطعمونه إذا جاع، ... ولا غير ذلك من الحقوق التي يروونها في الأحاديث التي يصححونها، فقد حصروا كل هذه الحقوق في مسلم خاص بمعيار خاص لا يفهمه إلا هم غالبا، وهو أن يكون على مذهبهم ومع ظلمهم وتصوراتهم.. وهذا تحكم في النص وإبطال لعمومه ليستجيب مع الرغبات الذاتية البشرية، بل بعضهم يبطل هذه الحقوق كلها لأدنى مخالفة، فلا تظنوا أنهم يقصرونها على أتباع مذهبهم الواسع، بل كثير منهم يقصرونها على أتباع الرؤية الضيقة التي هي فرع من فرع من مذهبه الواسع! وهذا تحكم جاهلي كبير بثوب إسلامي جميل في حقوق شرعية لكل المسلمين، الذين يؤمنون بالله ربا وبمحمد رسولا وبالإسلام دينا، هذا إذا التزمنا بتلك الأحاديث التي يصححونها، أما إذا ارتفعنا مع القرآن الكريم فسنجد كثيرا من هذه الحقوق تشمل كل الناس، من مسلمين وغير مسلمين، وعلى سبيل المثال قوله تعالى (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا)..(النساء/86).
فالله في هذه الآية أعطى أمرا عاما، مبنيا للمجهول، يعني أن أي تحية تأتيك، ومن أي طرف، يجب أن ترد التحية بأحسن منها أو تردها على الأقل، فهو لم يقل(وإذا حياكم المؤمنون بتحية فحيوا بأحسن منها) وإنما الفعل هنا مبني للمجهول، ومن لم يرتض هذا في كلام الله ورأى أن الله مفرط في (الولاء والبراء) فقد كفر بلا شك.
لكن بالتنزل مع الغلاة في هجرهم القرآن وتدبره، ونزولهم للأحاديث التي حصرت الحقوق بين المسلمين فقط، فقد زادوا على هذا الحصر حصرا أشد بحصر كل الحقوق لمذهبهم، ومنهم من يحصر الحقوق بفرع من فروع مذهبهم، وهكذا فالظلم الأول ينتج مظالم لا تنتهي، ولا يخلصنا من هذه المظالم العنقودية الوضعية إلا العودة للحق الأول القرآني المهمل.
وللحديث بقية.

  • المصدر : http://www.almaliky.org/subject.php?id=277
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2013 / 01 / 28
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 12 / 12