• الموقع : حسن بن فرحان المالكي .
        • القسم الرئيسي : المقالات والكتابات .
              • القسم الفرعي : مقالات وكتابات .
                    • الموضوع : تلك الفئة المثالية... لتدمير التواصل الإنساني (5) .

تلك الفئة المثالية... لتدمير التواصل الإنساني (5)

جريدة الكويتية
حسن فرحان المالكي

الغلاة يحبون أن تنشغل معهم بهجاء الآخر، وأن تتستر على عيوبهم، ويمنونك بالوجاهة والمنصب والسمعة إذا فعلت هذا! يعني بالفصيح يريدون أن تكون شهادتك للمذهب وليس لله، وأن تظلم بظلمهم وتكذب بكذبهم وتكتم ككتمانهم، وهذا المنهج جاهلي المضمون ظاهري الإسلام، وهذا ما عرضه عليّ الغلاة أكثر من مرة، كان آخرهم خصمنا الحبيب إبراهيم الفارس، فقد كرر عليّ النصيحة بأنني «إن تبُت عن منهجي في ذم الغلو الذي يسمونه زوراً منهج أهل السنة فستكون لي مكانة كبيرة جداً»! فقلت له بما معناه «أنا أنازعك في معنى السنّة، فالسنة عند سنة محمد بن عبدالله، صلى الله عليه وسلم، وليست السنة المذهبية التي تدعوني إليها، فأنا أتهمك بأنك على غير سنة، وأنت تتهمني بأني على غير سنة، فدعنا نجعل موضوع السنّة من موضوعات المناظرة، لنحدد السنة ومعيارها ثم نحاكم العقائد، عندها سنعرف ما هي السنة وأهلها وإن قلوا، وما هي البدعة وأصحابها وإن كثروا، فالسنة ما اتفق مع النص والجماعة ما وافق الحق ولو كنت وحدك».

لذلك كررت أكثر من مرة، أننا نقرأ ذم الدنيا ونحن أول المفتونين بها، والدنيا ليست مالاً فقط، وإنما حب الجاه دنيا، وحب السمعة دنيا، وحب ما كان عليه الآباء دنيا... إلخ، وسبق أن كررنا أننا نشجع الباحثين الأحرار على النقد الذاتي لغلو المذاهب التي ينتمون إليها بدلاً من استهداف المذاهب الأخرى، لأنها أصفى لإرادة وجه الله وإبعاد حب الجاه والسمعة عن النفس، ونقد أخطاء المذهب المتبع أفضل من نقد المذاهب الأخرى لعدة أسباب:
الأول: هو ما ذكرناه، بأن صاحب البيت أعلم بما فيه، والباحث صاحب النقد الذاتي لمذهبه يكون أفهم لنظرياته وتناقضاته ومحاسنه النظرية ومساوئه التطبيقية، مع دربة في معرفة الاحتيالات والمخادعات التي يمارسها دعاة المذهب ودهاته والماكرون له والمتحمسون لنصرته والمنخدعون بهم وبجهلهم وتعصبهم، والمطلوب من الإنسان أن يتحدث في ما يحيط به علماً لا في ما لا يعلمه إلا جزئياً أو مشوهاً أو دعائياً، ولو تكلم كل باحث عما يعلم فقط لأدى إلى انخفاض مستوى الكذب على الله وعلى الناس، وسوء الظن بالآخرين مع تزكية النفس، والكراهية العبثية التي تنتج الظلم، كل هذا سينخفض إلى أقصى درجة.

الثاني: أن قيام الباحثين بالنقد الذاتي هو أقرب للشهادة لله، لأن الخارج عن الإطار المذهبي الضيق يجد من المحاربة والمتاعب ما يجعل شهادته لله أقرب من ذلك المتهجم على المذهب الذي يعلم أنه سيجني مصالح معنوية من الثناء والوجاهة وحسن السمعة، مع ما يتبع ذلك من مصالح مادية من مال أو منصب.. إلخ، فالشهادة لله صعبة وطريقها شائك، أما الشهادة للمذهب والذات فستجد تلك المصالح التي يجدها الشاعر الجاهلي في مدح قبيلته وذم القبائل الأخرى!
إذن، فالمقتصر على ذم الآخرين ومذاهبهم مع التستر والدفاع عن مساوئ مذهبه لا تكون شهادته لله، وإنما تكون شهادته لنفسه، لمصالحه، لجاهه، لسمعته، لماله، لمنصبه...إلخ.
وكل حقيقة علمية أو شرعية أو طبيعية أو تاريخية ... يجب نصرتها، لأن الله هو الحق المطلق، وهو الحق الأول، وكل حق جزئي (معنوي أو مادي)، فهو منبثق عن الحق الأول وفيض منه، وتقودنا هذه الحقوق (الجزئية) إلى معرفة الحق الأول - الله سبحانه - وفهم سننه وأسراره في خلقه، مثلما أن العلم بالأوراق والثمار المتساقطة من الشجرة يعيننا على العلم بالشجرة وإن لم نشاهدها، فالحق الأول والمطلق هو الذي بث جميع حقائق الوجود، الظاهرة والباطنة، المفرحة والمحزنة، فالحقيقة حقيقة، لا تجوز الاستهانة بها ولا إهمالها ولا استصغارها، وقد وصف الله المستهينين بصغار الحقائق بالكفر، وأثنى على المؤمنين بأنها حق مهما صغرت، كما قال تعالى: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ» (البقرة - 26).

لأن محاربة أي حقيقة أو الاستهانة بها - مهما صغرت في نظر الناس - تحمل في طياتها محاربة الحق المطلق نفسه، والله (الحق المطلق) يسخطه من يتحايل على محاربته بمحاربة الحقائق الفرعية، فهو يغار على كل حق، لأن كل حق منه ومحبوب إليه، سواء كان هذا الحق صغيراً أو كبيراً، له مرارة أو حلاوة.
وغالباً ما يحيط الله الحقائق (والتي يحب منا الاعتراف بها وأنها حق) يحيطها بمصاعب ومتاعب، ليعلم من يخافه بالغيب ويعترف بها، ومن يتجاهلها ويتكبر عليها ويستهتر بها أو يستصغرها، فالحقائق ليس فيها صغير وكبير، فكلها صغيرها وكبيرها تبني المعرفة وتكمل دائرتها، كالبناء من أحجار كبار وصغار، فلا تستقر الأحجار الكبيرة إلا إذا رَفَدْتها بما يقيم ويثبت أطرافها من الأحجار الصغيرة (وهذا في البناء القديم خاصة لمن أدركه).
إذن هذه المتاعب حول الحقائق - صغرت أو كبرت - إنما جعلها الله ابتلاء وامتحاناً ليعلم الإنسان من يكون الله، (وحقائقه المبثوثة) أعظم في قلبه من كل شيء محبب إلى النفس، من وجاهة أو مال أو منصب.. إلخ. فالذي يجعل المنصب والجاه والمال أو حتى السلامة من الأذى، من يجعل هذه الأمور أحب عنده من الله (ما يحبه من حقائق) فلا يستحق أن يدخله الله في أهل الرضا، ولذلك يطرح الله سؤالاً يتجنب الجواب عليه أكثر الناس، وهو قوله تعالى: «أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا» (البقرة - 214).
للأسف أن جواب أكثر المسلمين على هذا السؤال الإلهي هو (نعم)!

فنظن أننا سندخل الجنة إذا صلينا وصمنا وزكينا وحججنا بيت الله الحرام ووصلنا الرحم وأطعمنا الفقير والمسكين وتجنبنا الزنا والسرقة وشرب الخمر والظلم.. إلخ! ولا يشترط لدخول الجنة ما ذكره الله هنا من أن يصيبنا ما أصاب الذين خلوا من قبلنا من بأساء وضراء وزلزلة وابتلاء.. إلخ، فنحن - وفق الرأي الشعبي المذهبي - أمة مرحومة
(شعب الله المختار بالصيغة الإسلامية)! نعم تجد أكثر المسلمين مطمئنا جداً، ولا يفكر في الإجابة عن هذا السؤال، رغم أن الذي طرحه هو الله نفسه!
ثم عندما تفتش عن سر هذه «الطمأنينة» لا تجد مع هؤلاء (المغتبطين المطمئنين) إلا أحاديث وضعها لهم الشيطان وأولياؤه، ليصرفوهم بها عن الإجابة عن هذا السؤال الإلهي التقريري الموجود في كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وصيغة السؤال بحد ذاتها فيها تحفيز لنا على الانتباه والبحث عن الجواب والصدق مع النفس في التعبير عما في الداخل، والشفقة على الذات من دخول النار من أهم صفات المؤمنين «وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ» (المعارج - 27، 28).
أما الاطمئنان بأننا فقط (فرقة ناجية وأن بقية العالم من المسلمين والكفار في النار)! فهذه خدعة شيطانية لنقول لأنفسنا «نحن أهل الجنة على قلتنا وبقية المليارات من البشر في النار، وإذا لم ندخل الجنة فمن يدخلها؟ ونحن الفرقة الناجية المنصورة...إلخ»! وهكذا مجموعة من التطمينات الشيطانية التي تضاد كتاب الله علانية، وتجعل المسلمين ينسون هذا القرآن، وقد سار خلف هذه التطمينات أكثر المسلمين، ولو قام باحث بجمع «أسئلة الله التقريرية» في القرآن لذهل لانصراف أكثر المسلمين عن هذه الأسئلة وسيرهم وراء أحاديث وعقائد وتعصبات وأماني لا يعلمون عن حقيقتها شيئاً إلا من باب الاتباع لما افتراه الأسلاف مما يخالف نص الكتاب، وسينسيهم الشيطان الإجابة عن الأسئلة الإلهية في القرآن المفصل على علم، ويبقيهم في التطمينات الشيطانية التي بث فيها الشيطان وأولياؤه مثل هذه الأحاديث المفتراة (كحديث الفرقة الناجية) والعقائد المذهبية الإرجائية التي صرفتهم عن الكتاب الذي تناسوا أسئلته وينتظرون تأويلها يوم القيامة! ثم عندئذ سيدركون أنهم كانوا قد اتبعوا افتراءات صححها بعض الأسلاف ونسوا الكتاب فيندمون عندما لا ينفع الندم، كما قال تعالى «وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ» (الأعراف - 52، 53).

نعم كانوا يفترون أحاديث وعقائد تنسيهم القرآن، ومن ذلك نسيانهم أسئلة الله التي طرحها في القرآن لنجيب عنها، لم يطرحها عبثاً ولا تهديداً فارغاً، فالله يعني ما يقول حرفياً، فمن شاء أن يصحو فليصحُ الآن، ومن شاء أن يتناسى ويمنّي نفسه بالأحاديث المفتراة والآراء الموروثة فليفعل، لكن ليعلم أن هذا الموروث المحرض على نسيان القرآن لن يجدوه يوم القيامة، سيضل عنهم ولا يجدونه، وكانوا يتوقعون أنه سيكون بانتظارهم!

  • المصدر : http://www.almaliky.org/subject.php?id=279
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2013 / 02 / 01
  • تاريخ الطباعة : 2018 / 12 / 10