• الموقع : حسن بن فرحان المالكي .
        • القسم الرئيسي : المقالات والكتابات .
              • القسم الفرعي : مقالات وكتابات .
                    • الموضوع : ما بعد القصير .

ما بعد القصير



جريدة الكويتية
الشيخ حسن فرحان المالكي


نتمنى أن يكون ما بعد القصير هو «الصلح والسلم والاتفاق على مرحلة سلمية انتقالية»، وأما في الواقع فالظاهر أن «ما بعد القصير» سيرجح لصالح النظام إن بقي الأمر على ما هو عليه، أي إن لم تحصل مفاوضات سلمية في جنيف أو لم يحدث تدخل دولي، والتدخل الدولي مستبعد، فالمعركة ستشمل الشرق الأوسط فيما يظهر.

نصائح قديمة للطرفين:
ولعلي كقليل من الكتاب وسط كثرة المتحمسين والطائفيين والفتاوى والتفجيرات، كنا نحاول عبر مقالات ومشاركات -خلال السنتين الماضيتين- أن نحذر من هذه الحرب وأنها ستطول، ولعلي الوحيد الذي تنبأ بأنها ستتجه للتطرف، لأنني أعرف أثر المذهب والطائفية في التضليل والتطرف، وكانت المذهبية قد قامت على قدم وساق وركبة، وكنا نقول أيضاً إنه من المحتمل أنها ستأخذ معها ضحايا كثيرين يذهبون صرعى بين الفريقين وأنها ستشرد الآلاف.

الضحايا لا صوت لهم:
وللأسف أن الطرفين لم يسمعوا أصوات هؤلاء المساكين الذين لا ناقة لهم في هذه الحرب ولا جمل، نعم تتم المتاجرة بدمائهم عند الهزائم، فيصحو المتقاتلون عندها فجأة على الجانب الإنساني ويرثون الدماء التي شاركوا في سفكها بالفتوى والنار والتحريض.
من سنتين كان المتحمسون للحرب من النظام والمعارضة يقولون، الموضوع لا يحتاج إلا أسابيع.. وننتصر.

النظام كان أكثر دهاءً.. والمعارضة متكبرة:
وشهادة لله، أن النظام كان يعلن -ولو كاذباً- استعداده للحوار والانتخابات وتغيير الدستور والاستفتاء ..إلخ، وكان ذكياً في الهدوء عندما تصل بعثات تقصي حقائق فيتم إدانة المعارضة بقدر أكبر- كما في لجنة الدابي العربية-.. بينما كانت المعارضة مطمئنة أن العالم معها، فلذلك لا تضغط على الفئات الخارجة عن خط الثورة، مما جعل هذه الجماعات تتمدد حتى غلب تطرفها على «حرية الثورة» وشوهت الثورة، وأخافت الناس والجيران في العراق ولبنان خاصة.
فلو أن المعارضة أخذت بالمثل المشهور «اتبع الكذاب إلى عند الباب» فتختبر صدق النظام، ثم تقدم عذرها للعالم العربي إذا نكث النظام بوعوده لكانت أكثر مصداقية، ولكنا تجنبنا كل هذه الدماء وهذا التمدد لجبهة النصرة وغيرها من الجماعات التكفيرية التي شوهت الثورة، وأسهمت في تغيير هائل في المزاج العام السوري العام الذي لم يعتد على هذه الطائفية والمشاهد البشعة التي شاهدناها جميعاً مع التكبير!
لكن المعارضة كانت متكبرة ومستعجلة وتصم كل من نقد المعارضة بالتشبيح.. وكم من الألفاظ الأخرى، وهذا مضاد لشعاراتها من احترام الإنسان والحرية والعدل في الحكم.

نقد النظام
فأنا شخصياً كنت قد كتبت في استبداد النظام وكتمه للحريات وانفراد حزب البعث بالسلطة لفترة طويلة، وأن هذا الاستبداد يدفع الآن بعضه، لأنك عندما تؤخر الإصلاح بسبب خوف الناس منك فقد تأتيك العقوبة في يوم ما.
تخيلوا لو أن النظام السوري قام بنصف الإصلاحات التي فعلها الآن، من دستور جديد واستفتاء شعبي وانتخاب للبرلمان وقانون الأحزاب وحرية الإعلام وتحديد مدة الرئيس.. لو فعل نصف هذه الإصلاحات مع مجيء الرئيس بشار الأسد، لكان نموذجاً عربياً.

عقوبة النظام والمعارضة:
إذن فاطمئنان النظام لاستبداده أوصله إلى آثار هذا الاستبداد، كتبا مثل هذا، ولكن المعارضة بقيت تصم آذانها عن كل نقد وتستكبر على كل ناصح، وتصمه بالتشبيح والبعثية والنصيرية والعلوية ..إلخ.
فكانت عقوبتها كعقوبة النظام بل أسرع.. وبدأت تفقد الأراضي وتتلقى الهزائم المرة، وتعاني من تغير سريع في المزاج
العام للشعيب السوري بل والعربي.
والآن نقول للمستبدين المتقدمين والجدد اتقوا الله في هذا الشعب المسكين، ونخص المستبدين الجدد، من المعارضة -الذين يتهمون كل ناصح بأنه شبيح ومجرم وقاتل- أن يراجعوا أنفسهم ولا يطمئنوا لطواعية «الإعلام» كما اطمأن النظام لطواعية «الأعلام»، فإن الذي يؤجل الإصلاح يعاقبه الله من مكان آخر.

جرائم النظام والمعارضة:
فالمعارضة ارتكبت جرائم كالنظام وتدعي الحرية والعدالة، بل وصل بعض جرائمها إلى مظاهر بشعة ووحشية، ولا أحب استعراضها هنا ولا استعراض أخطاء وجرائم النظام.
دعونا الآن في مرحلة جديدة بعد سقوط «القصير»، فلعها فرصة لمراجعة جادة في سلوكها وطائفيتها وغلبة المتطرفين وترك استفزاز واستعداء «حزب الله».
فعلى المعارضة ألا تكون أحلامها على قدر أحقادها، فالحقد لا يبني بلداً، وليجتمعوا هم والنظام على خطوط عريضة وهي
المخرج الصعب.

المخرج:
ملامح المخرج القادم إن حصل، يبدأ بالاتفاق على فترة انتقالية بوجود الأسد أو رحيله، لا يهم مادام أن هذا الشرط يستبق رغبة الشعب السوري، فالشعب السوري يقرر في انتخابات مبكرة شرعية الأسد من عدمها بوجود مراقبة دولية لضمان نزاهة الانتخابات.
ثم بعد ذلك الدستور، وانتخابات برلمانية حرة ونزيهة مع تفعيل المصالحة بين فئات وطوائف الشعب السوري، وتجريم الطائفية وبناء البلد معاً، وكفى الله السوريين شر القتال.

للمثقفين والكتاب والكلمة الحرة:
بقي أن نقول للمثقفين والباحثين لا تنسوا المدنيين الذين يذهبون ضحية الصراع بين الطرفين فصوتهم خافت، ولابد من نقد حيادي للطرفين، وللأسف أن الإعلام العربي كالحكومات العربية تدخل طرفاً في الصراع لا حياداً، وتنسب للطرف الآخر سلسلة من المجازر والمذابح ..إلخ، ونحن حقيقة لا نعرف الحقيقة إلا من باب الترجيح.

لا تصدقوا الحكومات العربية ولا الإعلام العربي:
ولا أظن عاقلاً يشك بأن حماس الحكومات العربية والإعلام العربي للتغيير في سوريا ليس لأجل الحرية ولا العدالة، فهذه من الصعب علينا أن نفهمها تماماً، إلا بعد أن يقوموا في بلدانهم بالمثل ليمكن تصديقهم.
إذن فصوت العقل والضمير لابد أن يعود من جديد، عند بعض الأحرار من الكتاب والمثقفين، فلا يستهينوا بشهادتهم لله فقد يكتب الله لها مخرجاً، ولا يكتب الكاتب للتنفيذ وإنما لبراءة الذمة أولاً أمام الله، أما الحكومات وقنواتها فلا الحرية ولا المعلومة الصحيحة هي الهدف للأسف، هذا واضح جدا، فلماذا نضطر لتصديقهم وإلا فلسنا بمواطنين صالحين؟ ما الفرق إذن بينهم وبين
النظام السوري؟

ما الفرق بين النظام السوري والأنظمة العربية؟
بل بقي للنظام السوري محاسن ليست لهم، من دعم المقاومة وترك الحزبيات المذهبية والمساواة بين المواطنين في كثير من الظلم وقليل من العدل، بحيث لا يشعر المظلوم أنه تم ظلمه لطائفة أو مذهب، وإنما هو الداء العام في الحكم العربي للأسف.
وفق الله السوريين للخروج من هذه المحنة الكبيرة، والعض على الجراح، والنظر للمستقبل، وترك الأحلام الكبيرة التي ذهبت أهدافها في ضحاياها، فالأهداف الكبيرة كانت ضحاياها أكبر منها بكثير، هذا إذا صدقنا أن الأهداف المعلنة هي أهداف الثورة فعلاً! ولا داعي للتذكير بالفتاوى والارتباطات مع هنٍ وهنٍ.




  • المصدر : http://www.almaliky.org/subject.php?id=367
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2013 / 06 / 14
  • تاريخ الطباعة : 2019 / 12 / 5