• الموقع : حسن بن فرحان المالكي .
        • القسم الرئيسي : المقالات والكتابات .
              • القسم الفرعي : مقالات وكتابات .
                    • الموضوع : إنسان العصر السوري! .

إنسان العصر السوري!

الشيخ حسن فرحان المالكي
جريدة الكويتية
ما يجري في سوريا من بداية (العنف والعنف المضاد) منذ نحو السنة والنصف، أمر لا يكاد يتكرر في هذا العالم، ليس في مسألة (القتل الذريع) فقط، فالمجازر والقتل والتهجير والتدمير والدموع تحدث في كثير من فترات التاريخ القديم والمعاصر، وإنما المؤلم أن (صوت العقل والضمير) شبه منعدم عالمياً تجاه هذه الأحداث.

فالاصطفاف أقوى من أن يسمح لأصوات العقل والضمير القليلة جداً أن تقول: كفى أيها العابثون!
والعالم منقسم إلى نصفين، كل نصف يرثي قتلاه ويسميهم (شهداء)! ويسمي الضحايا غير المنتسبين إليه (مجرمين)، مع أن معظم هؤلاء (الشهداء- المجرمين) لا ناقة لهم ولا جمل في الألاعيب المجنونة التي يقودها عقلاء العالم وحماته وبناة السلم والأمن الدوليين.

سوريا يتدمر فيها كل شيء، ويذوب عليها كل شيء، الإنسان والضمير والأخلاق والدين والعقل والسلم الأهلي والإنسانية.. كل شيء يتدمر! وكل عاقل يتكلم فإنه سيصبح (إما عميلاً أو شبيحاً)!
حفلة جنون كبرى برعاية عالمية وعربية وإسلامية، وأخبار وتقارير وخطب وصلوات وأدعية وتبرعات..الخ، أما الشهادة لله وللحق وللضحايا ولبقايا الإنسانية وللحقوق فهي مؤجلة إلى أمد غير معلوم، وقد لا تعود.

والتدمير في سوريا ولأجل سوريا لا يقتصر على التدمير الخارجي للإنسان والأبنية، بل هو تدمير داخلي، داخل النفس الإنسانية، إذ يصبح هذا الإنسان كأنه غير الإنسان الذي نعرفه.
(إنسان العصر السوري) إنسان آخر، صدقه هو الكذب، وكذبه هو الصدق، وقتله هو الحقوق، واضطهاده هو الكرامة، وغشه هو الأمانة، وتخليه هو المسؤولية، وجنونه هو التعقل، وظلمه هو العدل، وإجرامه هو الجهاد،.. إنسان آخر تماماً، لغته أخرى، عقله آخر، مبادئه أخرى.

إنسان العصر السوري لا يمكن أن تفهمه ولا يفهمك، معه نفس ألفاظك ولكن الشمس معناها القمر، والجبل معناه السهل، والحياة هي الموت، والموت هو الحياة..الخ.
إنسان ليس من بني الإنسان الذي نعرفه، مسخ ظريف عجيب، له نفس ألفاظنا لكن بمعاني الأضداد، فكل لفظ هو ضده، وهذا الإنسان المسخ الهابط من كوكب آخر، وجد له قنوات أهل الأرض، وأصبحت أنت الغريب والجاهل باللغة، فالجميع يصدقونه في هذه الألفاظ بأن معانيها هي الضد، فتدمرت اللغة أيضاً والصورة والمكان بعد استبدال الإنسان الذي نعرفه بإنسان ألفاظه تدور حول جسمه، لا تدخل عقله ولا قلبه، يتناولها من الأثير، من جيبه، من على الطاولة، من تحت الطاولة، ويعيدها للأثير كما أخذها.

دمى بشرية تشرب وتأكل وتتحرك وتتكلم مثل الإنسان تماماً، لها ألسن وآذان وعيون، وبعضها مطور يلبس كرافيتات جميلة الشكل بخطوط زرقاء طولية. والسؤال: هل بقي خير بعد هذا ينتظر سوريا؟
كيف وإنسان المستقبل هو إنسان آخر غير الإنسان الذي كنا نعرف؟! ونحتاج لقرون لإعادة هذا المسخ إلى لغته وعقله وضميره ودينه وإحساسه..الخ.
هذا التدمير الداخلي لإنسان العصر السوري يؤكد لبقايا العقلاء والمتأملين قدرة السلطة والإعلام والمصالح والمكر على مسخ البشر وتعطيل البدهيات وقلب المبادئ، قدرة هائلة جداً لا يمكن تصورها.

وهنا مسؤولية بقايا الإنسان الذي أنعم الله عليه بالاحتفاظ بالعقل الأول واللسان الأول واللغة الأولى والضمير الأول، قبل المسخ العام الذي حصل للبشرية، أن يتأمل في هذا المسخ ويدرس أسبابه وكيف حصل وكيف يمكن تجنب هذا المسخ ولو في قليل من الأجيال القادمة على الأقل، لتتم المحافظة على (الإنسان الأول= فطرة الله).
ولا ينسى هؤلاء البقايا أن يوثقوا هذا المسخ الذي تحول إليه إنسان العصر السوري (من جميع الأطراف)، فهو أهم من كل أبحاث الأنثربولولجيا ومختبرات النفس البشرية والاجتماع، فهو شاهد حي موثق مرئي مشاهد، ليتم الاستشهاد به مستقبلاً على أن هذا المسخ قد حصل فعلاً، فقد لا تصدقه الأجيال الحية إن أتيح لها مجدداً أن تسود يوماً ما.
لأول مرة في التاريخ يتاح للعقلاء مشاهدة مسخ جموع كبيرة من بني الإنسان أمام عينيه!

مشهد لن يتكرر، وتتناسب متعة المشاهدة مع عمق الألم، مثلما يتاح لك رؤية كارثة طبيعية أو تسونامي قياسي يجرف المدن بمن فيها، وتستقر بعده السفن والزوارق فوق العمارات والأبنية. مشهد ممتع والإبادة شاملة.

  • المصدر : http://www.almaliky.org/subject.php?id=218
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2012 / 12 / 21
  • تاريخ الطباعة : 2020 / 02 / 29