• الموقع : حسن بن فرحان المالكي .
        • القسم الرئيسي : المقالات والكتابات .
              • القسم الفرعي : مقالات وكتابات .
                    • الموضوع : شيء من التفسير.. لإسلامهم.. وكفرنا (2) .

شيء من التفسير.. لإسلامهم.. وكفرنا (2)

جريدة الكويتية
الشيخ حسن فرحان المالكي


استغرب بعض الإخوة كلامي في الحلقة السابقة، بأن عند الغرب والشرق من الإسلام أكثر مما عندنا، وأن معنا من الكفر النسبي أكثر مما عندهم من الإسلام النسبي أيضاً (فليس في الأرض إسلام خالص ولا كفر خالص، معنا الكلمة ومعهم العمل، معنا نسبة مظالمنا وتخلفنا إلى الله، ومعهم نسبة مظالمهم وتخلّفهم إلى أنفسهم).
ولكن لسان حال المعترضين يقول: نحن المسلمين نؤمن بالله وكتبه ورسله وملائكته واليوم الآخر ونصلي ونصوم ونحج.. إلخ، فكيف يكون عند (الكفار) من الإسلام أكثر مما عندنا؟! وكيف تقول للدعاة: دعوهم في إسلامهم، لا تجرجرونهم إلى كفرنا)!

بالطبع مثل هذا الاعتراض هو نتيجة من نتائج فهمنا (المحرف) للإسلام..
فالإسلام في الفهم الشائع عند أكثر المسلمين قسمان، معلومات من الله وصدقات على الله!
أما المعلومات من الله، فنعرف معلومات أتى بها الإسلام عن الله وملائكته وكتبه وأوامره ونواهيه... إلخ، فهذه معلومات، ورغم الذي فيها من خلل وتشويه فإنه كان عند إبليس أكثر منها قبل أن يخلق الله آدم وبني آدم، فلم تغن عنه تلك المعلومات شيئاً.

وأما الصدقات التي نتصور أننا نتصدق بها على الله! وكأنه - تعالى - محتاج إليها! فهي مجموعة من الأعمال التي نعملها وكأننا نتصدق بها على الله (نصلي له ونصوم له ونحج له)... إلخ.
هذا الفهم الشائع للإسلام خطأ كبير، بل هو تشويه للدين وقلب لغايات الله منه.
ونحن نسلّم بأن إبليس كانت عنده معلومات هائلة وكان صاحب
(عبادات أكثر منا)، ولكن هذه المعلومات وهذه العبادات لم تغنِ عن إبليس شيئاً عندما استكبر عن تنفيذ أوامر الله، وإذا استحق الشيطان اللعنة، فإنه لا يستحقها لقلة المعلومات وإنما للكبر، فتنبهوا لهذا.
وإبليس تكبّر عن أمر إلهي واحد، فانظروا كم عدد أوامر الله التي تكبر عنها المسلمون فكرياً أو سياسياً أو مذهبياً أو حزبياً... وخاصة ما يتعلق منها بالعدل والصدق وحماية الحقوق (حق النفس والعقل والعرض والدين والمال)، والعدل والصدق هما محور أوامر الله، وعليهما تدور الرسالات والثواب والعقاب (هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم).
وأما الأمر الآخر هو الصدقات، فالغريب والمعيب أننا نستشعر كأننا بعباداتنا نتصدق على الله، وهو الغني عن العالمين، متجاهلين العلل التي ذكرها الله في كتابه لتشريع هذه الأعمال من صلاة وصوم وحج وزكاة، فهو شرعها لنا نحن، لمصلحتنا نحن، لنستعين بها على تزكية أنفسنا نحن، وليس لنمنّ بها على الله! لم يشرعها لنرجع من المساجد، ونحن مطمئنون بأننا قد أعطينا الله حقه، وبقي عليه - سبحانه - أن يعطينا حقنا! فقد مدحناه وخضعنا له وأثنينا عليه وسجدنا.. إلخ.

هذا تحريف شيطاني عميق جداً لعلل التشريع الإلهي لهذه الأعمال.
وهنا نأتي للإجابة عن الاستشكال... ونقول: الإسلام الحق الذي من عند الله - وبلا تحريف شيطاني أو إنساني - ماذا ينتج؟؟
ألا ينتج عدلاً ومعرفة وصدقاً وإنسانية وسلماً وتعظيما لشعائر الله وتتبعا للفقراء وحثا على طعام المسكين وتعاونا مع البشر كلهم على البر والتقوى وشجاعة في رد اعتداء (المعتدين)... إلخ.
ستقولون: بلى!
والسؤال: أنشدكم الله.. هل هذه الصفات في (الكفار) أكثر أم في (المسلمين)؟
فتشوا وكونوا صادقين (هل هم أصدق أم نحن؟ أكثر معرفة أم نحن؟ أكثر عدلاً أم نحن؟ أكثر سلماً في ما بينهم أم نحن؟).. إلخ.
ومن قال لكم إن الإسلام مجرد أقوال تلفظ على اللسان، هل نسيتم أن العمل هو الثمرة وعليه الجزاء؟ كم من المرات رتب القرآن الكريم الثواب والعقاب على العمل كما في قوله تعالى: «بما كنتم تعملون»؟ عشرات المرات.. فهل أتت آية واحدة تقول «بما كنتم تعلمون»؟!
الجواب: لا.. إذن فلماذا ترتبون على (المعلومات) عن الله واليوم الآخر والملائكة... كل هذا التفضيل لنا؟
والسؤال الثاني:
هل الأعمال (الصلاة والصوم والحج والزكاة...) مشروعة لذاتها أم لغايات أعلى؟
والسؤال بأسلوب آخر: هل هي غايات في نفسها أم وسائل إلى غايات؟
ولماذا قال الله «وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي» (طه - 14)، وهنا أيهما الوسيلة وأيهما الغاية؟ أهي الصلاة أم (ذكر الله = تذكّر الله)؟.. أجيبوا.
وقوله تعالى «وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ» (العنكبوت - 45) هل الصلاة هنا غاية أم وسيلة لغاية؟ أجيبوا.

وعندما يقول «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ» (البقرة - 153)، هل الاستعانة بالوسيلة أم الغاية؟.. أجيبوا.
غايات القرآن تجدونها في الآيات التي تأتي بعد قوله «لعلكم» أو «لعلهم».. فتتبعوها ستجدونها:
هي الشكر = لعلكم تشكرون / وهي الهداية = لعلكم تهتدون.. / والتقوى = لعلكم تتقون.. / والتعقل – لعلكم تعقلون../ والفلاح = لعلكم تفلحون../ والتفكر = لعلكم تتفكرون. والتذكر = لعلكم تذكرون../ والحصول على الرحمة = لعلكم ترحمون ../ واليقين بلقاء الله = لعلم بلقاء ربكم توقنون../ والإسلام = لعلم تسلمون.
وهكذا... هذه هي الغايات وهي عند من نسميهم (كفاراً) أكثر مما هي عند المسلمين بإجماع العقلاء الذين يعرفون معاني هذه الألفاظ قرآنياً، أي بالمعنى القرآني لا السلطاني ولا التحريفي.

فالشكر مثلاً نحشره في اللفظيات، ونظن أن المراد أن نقول «الحمد لله والشكر له»! وهذا تحريف شيطاني لمعنى الشكر القرآني، الذي يساوي التفعيل، تفعيل نعم الله عليك من سمع وبصر وعقل.. (وهذا تكلمنا عنه سابقاً)، وهذا التفعيل مثلاً موجود عند الكفار أكثر من المسلمين إجماعاً.
المشكلة أن التحريف كبير جداً ومتراكم ومتوارث، وبسلاسة ويسر!
فالشيطان لم يصعب علينا الضلالة، وإنما وضعها بجوار الهداية!
ووضع الكفر اليسير بجوار الإسلام العسير على المتكبرين.
والشرك الزاهي الوجاهي بجوار الإخلاص المتناهي لله.
ومن هنا، فالتجديد صعب، لأن التحريف «الجميل المشبع للذات الجاهلية وعصبياتها وحماقاتها وجهالاتها وفخرها وكبرها» مطبق على الإسلام القاتل لـ «الأنانية والذاتية والحزبية والمذهبية والعصبية».
والسبب الرئيس العدو الأول لبني آدم وهو الشيطان (مخترع العصبية والكبر)، الشيطان الذي لا نشعر تجاهه بغضب كما نشعر به ضد بعضنا، لأنه أقنعنا بأن نسيان عداوته وتوقع عداوة بعضنا لبعض، هما الهداية والعقيدة الصحيحة!
«إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ».
والسلام!

  • المصدر : http://www.almaliky.org/subject.php?id=282
  • تاريخ إضافة الموضوع : 2013 / 02 / 14
  • تاريخ الطباعة : 2018 / 12 / 12