من الذي كان يسأل ابن تيمية؟!
من الذي كان يسأل ابن تيمية؟!
الحراك الثقافي قوي جداً؛ وهناك شوق جامح عند الشباب للبحث والمعرفة؛ ويمكن لشبابنا أن يكونوا مثالاً للبحوث الجادة؛ لو توفرت الحرية الحامية.
الله والتاريخ في عون وحفظ من فتح باب حرية: للأسئلة الجادة؛ والبحوث الجادة؛ والإصلاح الفكري الجاد..
لمشاهدة"صدمة الخديعة الكبرى في فتاوى ابن تيمة!" على هذا اللرابط «««
الكشف عن صاحب مئات الأسئلة التي أجاب عنها ابن تيمية في ٣٧ مجلداً؟
اكتشاف مذهل إن صحّ!
هذا البحث للباحثين فقط؛ ليس لمتعصب مع ابن تيمية أو ضده.
البحث - بمعناه الحق - مستنكر في المجتمعات العربية. جربوا البحث الجاد؛ وافتحوا الاحتمالات.
المنهجية الغربية في البحث هي الحل اليوم - باستثناء تلك الأبحاث الاستشراقية التي غلبت عليها العصبية - جربوا البحث بالمنهجية الغربية لا العربية.
منهج البحث العلمي؛ الذي يهدف التوصل للمعلومة الصحيحة، يختلف عن منهج البحث عند المذاهب والتيارات. فرق بين منهج يريد المعلومة؛ ومنهج يريد الشخص.
من حق الباحث أن يشك بأن ابن تيمية لم يكن عنده انترنت حتى تأتيه الأسئلة من أقطار الأرض.. لم يحصل هذا لمن هو قبله ولا من أتى بعده..
شيء غريب!
هذا هو الإشكال الأول؛ لم يواجه الأئمة الأربعة ولا التابعون ولا الصحابة هذا السيلان من الأسئلة من شتى البلدان!
الباحث يستطيع معرفة هذا؛ وللباحثين - في التحقيق التاريخي البحت - ابحاث في ثبوت الكتب من عدمها؛ وفي الإضافات أيضاً مع صحة الأصل؛ وهكذا..
لكن؛ من لم يعلم يستعظم هذا. لا إفراط ولا تفريط. نحن لا ننسف صحيح البخاري لوجود حديث واحد روي بعد وفاته! ولا طبقات ابن سعد لأن فيها تاريخ وفاته!
هذه وجدنا لها مخارج. لكن؛ أن تأتي أسئلة بهذه الكثافة لرجل كان يتنقل من سجن لسجن؛ وكان العلماء والجماهير والسلطات كلها ضده؛ في الجملة؛ فهذا كله يدعو للشك الجاد!
الدعوة للباحثين الصادقين فقط. في البحث في التراث؛ ليس للعصبية في إثباته؛ ولا العصبية في نفيه؛ إنما في التفصيل المقنع المبرهن ..
سأذكر أمثلة:
صحيح البخاري (1/ 32) مثلاً: قال الفِرَبْرِيُّ: حدَّثَنا عَبَّاسٌ، قَالَ: حدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ..
هذا الكلام ليس للبخاري؛ لأن الفربري هو أحد رواة صحيح البخاري (ت 320 هـ)، بل هو أصغرهم؛ فهذه من زياداته، وليس للبخاري؛ وكذلك روايته عن علي بن خشرم مثلاً؛ من زياداته؛ وواجب الباحثين أن يعلموا العامة - ممن ليس لهم علم - بهذه الأمور. يخبرونهم أن هناك زيادات يزيدها الرواة - رواة ألأصول. وهذا أمر طبيعي؛ ليس عيباً. كما أن هناك كتباً منتحلة كاملة؛ وكتباً زاد عليها الرواة أبحاثاً كاملة - ككتاب الإمامة والسياسة لابن قتيبة. وكتباً فيها شك؛ وهناك ما هو أخطر !
ولذلك؛ نورد أحياناً بعض الأبحاث في شكل أسئلة؛ حتى لا نستفز الناس ونشوش عليهم؛ فالناس أعداء ما جهلوا؛ ولا يحتملون المعلومات فيضطربون. والسبب أن المجتمع العربي عاطفي وليس علمياً؛ ولم تعلمه المدارس ولا الجامعات حب الحقيقة والبحث عنها؛ إنما علموهم العصبية والمعاداة لما يجهلونه؛ والمرض - معاداة الحق الغريب – قديم.
ولذلك؛ نجد الإمام علي يواجه هذا المرض الثقافي بقوله:
( لا تقولوا بما لا تعرفون؛ فإن أكثر الحق فيما تنكرون)!
المجتمع العربي - والخليجي خاصة - ليس متربياً على الحق والصبر؛ غاية ما تجد من أحدهم أن يقول: حشرك الله مع فلان!
وكأنه يعرف أين يُحشر هو!!!
لو قامت الجامعات بدورها؛ لأنشأت لنا جيلاً يحب المعرفة؛ يميط الزيف عن الحق المخبوء؛ ويراكم المعلومات الصحيحة؛ ويبني الشخصية بناء واثقاً هادئاً.
لذلك؛ يجد الباحث في المجتمعات العربي - وخاصة الخليجية - تعباً شديداً، وهو أمام هذه الأجيال التي تظن أنها تعلم كل شيء، وهي لا تعلم شيئاً!
مسؤولية التعليم كبيرة جداً! في تعليم أخلاق المعرفة قبل المعرفة؛ بل؛ لا يمكن أن تتوفر المعرفة بلا أخلاقها؛ لابد لأخلاق المعرفة من تجرع الحق المر؛ ومن أخلاق المعرفة؛ أن تأتي إلى البحث وأنت تريد الشهادة لله؛ لا الشهادة لفكرة مسبقة ولا رمز معظم ولا عقيدة طاغية؛ وتوطن نفسك على قبول النتيجة..
هذه الأمور؛ لا يتم تعليمها في الجامعات؛ ولا مدارس التعليم العام..
وأخلاق المعرفة - كما قلنا - أهم من المعرفة؛ بل هي خلاصتها وجمالها وثمارها.
الباحث في المجتمعات العربية بين نارين:
بين نار الكتمان = كما في الآية 159 من سورة البقرة:
{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159)}
أو الاصطلاء بنار الفحش والإثم والعدوان من الناس.
يرغب الباحثون العرب أن تكون البيئة المجتمعية بيئة صحية
تقدر المعلومة؛ وتعرف إيجابيات البحث. كل هذا - في الأخير - يصب في مصلحة المعرفة والناس.
الحل واضح؛ في فتح باب حرية البحث العلمي؛ بحيث يكون الدليل والحجة والبرهان هو الحاكم؛ وليس الشعبوية والتعبوية والمذهبية و الحزبية ..الخ. لذلك؛ فالحرية - حرية التعبير الثقافي والبحثي -كفيلة بكشف الزيف؛ وهزيمة التطرف فكرياً؛ وإرساء السلام او المحبة والتفاهم. هي حل استراتيجي لكل المشاكل؛ فمثلاً:
لو كان هناك حرية في بحث مثل ابن تيمية؛ وتقييم أفكاره بالعلم والإنصاف، لما كان كل هذا التوتر والتنافر الذي يكلفنا معنوياً ومادياً.
يقر الجميع أن أهل العلم والدعوة ليسوا معصومين؛ وأنهم يصيبون ويخطئون؛ ولكن؛ في الواقع، لا ترى إلا عصمة من نحب عن أي خطأ، وعصمة من نكره عن أي حق.
الحراك الثقافي قوي جداً؛ وهناك شوق جامح عند الشباب للبحث والمعرفة؛ ويمكن لشبابنا أن يكونوا مثالاً للبحوث الجادة؛ لو توفرت الحرية الحامية.
الله والتاريخ في عون وحفظ من فتح باب حرية: للأسئلة الجادة؛ والبحوث الجادة؛ والإصلاح الفكري الجاد..
لا ندعو للحرية العشوائية الغوغائية..
كلا؛ لقد أُشرب كثير من الناس الخصومة البلهاء كما أشرب بنو إسرائيل حب العجل؛ لا ديناً سماوياً ولا دنيا أرضية؛ ضنك في ضنك؛ عمى متداخل؛ وعلى لا شيء!