الصفحة الرئيسية

السيرة الذاتية

المرئيات

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • مرئيـــــات عامة (55)
  • نهج البلاغة (4)
  • سيرة الرسول الأكرم (ص) (5)
  • ثورة الانسانية (14)

المقالات والكتابات

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • تغريدات (1198)
  • مقالات وكتابات (162)
  • حوارات (90)
  • مقتطفات من كلام الشيخ (29)
  • ما غرد به عن تدبر القرآن (2)
  • عن التاريخ (1)
  • عن الوهابية (4)
  • ما كتبته الصحف عنه (4)
  • مقالات الاخرين (16)
  • ضد المالكي (1)
  • جديد الانتاج (3)

المؤلفات والبحوث

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • البحوث (27)
  • المؤلفات (14)

المطالبة باطلاق سراحه

إظهار / إخفاء الأقسام الفرعية

  • حملة للمطالبة باطلاق سراح الباحث والمفكر أ. حسن بن فرحان المالكي (1)
  • نص لائحة الاتهام أ. حسن بن فرحان المالكي التي وفقها تطالب السلطات السعوديه باعدامه (1)
  • When barbarism is the judge of scientific thought (1)

البحث :


  

جديد الموقع :



 الثقافة القضائية! - الجزء الثالث - أ.حسن فرحان المالكي. @HsnFrhanALmalki

 الثقافة القضائية! - الجزء الثاني - أ.حسن فرحان المالكي. @HsnFrhanALmalki

 الثقافة القضائية! - الجزء الأوّل - أ.حسن فرحان المالكي. @HsnFrhanALmalki

 نصيحه لشباب المسلمين في كشف غلو العلماء المعاصرين

 When barbarism is the judge of scientific thought

 عندما تحاكم الهمجيه الفكر- نص لائحة الاتهام التي تطالب حسبها النيابه السعوديه باعدام المفكر والباحث حسن بن فرحان المالكي

 #النساء_أكثر_أهل_الجنه - الجزء الثالث-

 #النساء_أكثر_أهل_الجنه - الجزء الثاني-

 حسن الإجابة في عقيدة الإمساك عما شجر بين الصحابة (دراسة نقدية للقاعدة وفق النصوص الشرعية وتطبيقات السلف الصالح)

 #النساء_أكثر_أهل_الجنه -الجزء الأوّل -

خدمات :

  • الصفحة الرئيسية
  • أرشيف المواضيع
  • إجعل الموقع رئيسية المتصفح
  • أضف الموقع للمفضلة
  • إتصل بنا

مواضيع متنوعة :



 ثورة الغلاه ليست ثورة الحسين

 الشيخ علي قاسم الفيفي ..

 سبط الرسول - آل الحسين في قصر يزيد 2 - حسن المالكي - ح10

 أركان الإسلام من القرآن! - الجزء ألثاني.

 الاثار - زيارتها وحمايتها من وجهة نظر شرعيه

 الإلحاد والغلو ... يجتاحان الشباب! - الجزء ألرابع

 السنة وتدوينها وسبب اضطراب الناس فيها

 الرد المفصل على بيان الضحايا (12)

 الإسلامي بالمعنى القرآني والإسلامي بالمعنى المذهبي

 متفرقات في العقيدة والقرآن والقراءات!

إحصاءات :

  • الأقسام الرئيسية : 5

  • الأقسام الفرعية : 21

  • عدد المواضيع : 1634

  • التصفحات : 12779881

  • التاريخ : 5/08/2021 - 23:39

  • القسم الرئيسي : المقالات والكتابات .

        • القسم الفرعي : تغريدات .

              • الموضوع : الثقافة القضائية! - الجزء الأوّل - أ.حسن فرحان المالكي. @HsnFrhanALmalki .

الثقافة القضائية! - الجزء الأوّل - أ.حسن فرحان المالكي. @HsnFrhanALmalki

القضاء وظيفته الحكم بين الناس بالعدل، ولأجل العدل أرسل الله الرسل وأنزل الكتب، فهو غاية الرسالات، فهو أهم من الإيمان؛ والدليل {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ } ؛والقسط هنا أوسع من العدل وأشمل، ولذلك نسبه الله للناس كافة؛ بينما العدل كأنه الركيزة الأساسية للقسط - والتفريق بينهما يحتاج لبحث أعمق - إلا أنه يكفي في أهمية القسط (ومنه العدل) أنه أهم من الإيمان بالنبوات والكتب المنزلة، فقد جعله الله الغاية من بعث الرسل وإنزال الكتب ؛ وكل غاية هي أهم من وسائلها، وموضوع (الغايات) من الموضوعات المهملة في التراث والاهتمام المعرفي العام للأسف، وبسبب إهمال الغايات قلبنا الدين؛ وقلب الدين رأساً على عقب (أي إهمال الغايات والاهتمام بالوسائل) هو الذي شوه حقيقة الإسلام وهو الذي جعل المسلمين في ذيل الأمم كما ترون.
بمعنى؛ أن المؤلفات التراثية عن النكاح والتصوير والحجاب وتفاصيل العبادات تملأ الدنيا والهذان، بينما الغايات موضوع غريب الطرح مجهول المحتوى؛ وأحمد الله الذي وفقني لطرح (غايات القرآن) ولم أجد من حاول إحصاءها قبلي؛ فضلاً عن بحثها من القرآن، وهذا من فضل الله ومنه وكرمه على عبده.
والغايات يجب أن تكون لسان حال الدعاة وواقع حال القضاة والهم العام للمسلمين بسائر طوايفهم وتياراتهم؛ الغايات أهم الموضوعات؛ لكنه مجهول. والقضاء وسيلة من وسائل تحقيق غاية الله من إرسال الرسل وإنزال الكتب؛ ألا وهو إقامة القسط، فلا بد أن يستشعر القاضي هذا، فالأعمال بالنيات. والقاضي يجب أن يتثقف عن وظيفته، ويعلم أن الله يسر له هذه الوظيفة ابتلاء وتمحيصاً، فإن عدل أسهم في تحقيق غاية الله من بعث الرسل؛ والقاضي لا يستطيع أن يعدل ويستفرغ جهده حتى يتدبر آيات الحكم بين الناس في القرآن، وألا يكتفي بالأحاديث التي غالباً تغلب على الثقافة العامة؛ آيات الحكام ليست في 500 آية كما يقولون؛ ربما هذا فيما يخص القضايا؛ لكن القاضي نفسه، كيف يصنع نفسه بالقرآن ويحميها من الميل والزيغ والظلم؟
القاضي يحتاج لكل القرآن الكريم، وليس لآيات الأحكام فقط، ليتعلم مراقبة الله وخشيته وأن يصبر أمام أهواء الناس، وتكون شهادته لله وحده. صناعة القاضي لقلبه أهم من توفيره لمعلوماته، فكم من قاضي كثير العلم يكون من الخاسرين.
القاضي وظيفته أخطر من المفتي والفقيه لتعلقه بالحقوق؛ المفتي والفقيه يقوم عملهما على حرية الرأي والاجتهاد ... أما القاضي؛ فهو أمام الخصوم، فهو خصم مباشر لنصف الناس، ولابد من جواب لكل متظلم. وقد كتب الكثيرون في أدب القاضي وواجباته كثيراً، ولكن الأهم من ذلك هي تلك الآيات في وجوب الشهادة لله ومراقبته والحكم له وحده. ولعل أبرز ما نجده في القرآن الكريم في موضوع القضاء، هو تحذيره القضاة من التأثر بالضغوطات والأهواء، ولن يكررها القرآن إلا لعلم الله السابق بأن أكبر أسباب انحراف القضاء هو تحكم ذوي الأهواء في القضاة؛ وسنذكر نماذج من الآيات الكريمة التي تحذر القاضي من ضغوطات ذوي الأهواء :
نموذج الأوّل: { وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ } [ألمائدة : 49]
هذه الاية مثلاً، هي وحدها فيها ثلاث ركائز مهمة قد لا ينتبه لها كثير من القضاة.
الأولى: الحكم بما أنزل الله.
الثانية: ترك اتباع الأهواء.
الثالثة: الحذر من فتنة أهل الأهواء (ترهيباً أو ترغيباً أو رشوة أو غيرها).
هنا؛ على القاضي أن يأخذ ما آتاه الله بقوة؛ فلا يستخف بواحدة منها..
أما الأولى: وهو الحكم بما أنزل الله، فهذه يظن بعض القضاة أنها سهلة؛ وهي أصعب مهمات القاضي، لأنها تتطلب علماً ( بما أنزل الله )؛ فماذا يعني؟
سأذكر مثالاً ليتضح أن هذه المهمة الأولى من المهمات الثلاث ليست بالسهولة التي يتصورها البعض؛ فمثلاً: كيف تحكم على مرتد بما أنزل الله؟ أكثر الناس سيقولون: هذا أمر سهل، فالمرتد حكمه القتل إذا لم يتب! نقول: وهل هذا هو حكم بــ (ما أنزل الله)؟ أين الآية التي تنص على ذلك؟ سيقولون: للحديث المشهور (من بدل دينه فاقتلوه)؛ نقول: هل هذا هو حكم الله؟ أم حديث ضعيف؟ فهنا الثقافة بالقرآن يعلمك أن تحكم بما أنزل الله؛ والواجب هنا على القاضي والفقيه والمفتي والمثقف أن يعلم الحكم من كتاب الله أولاً؛ ولا يتسرع في الاستدلال بالحديث؛ خاصة إذا خالف القرآن؛ فهنا يجب على القاضي أن يحذر (أهواءهم) التي قد يروون فيها أحاديث؛ ويحذر أن يفتتن بالرأي العام الذي لا علم له بالقرآن ولا الحديث؛ كيف؟
أولاً : يجب على القاضي بحث الموضوع (الردة مثلاً)؛ وينظر ماذا ( أنزل الله فيه)؛ ويستقصي الآيات الكثيرة التي ذكرها الله عن المرتد؛ ثم ماذا؟
المرحلة الثانية: ينظر في تلك الآيات التي جمعها عن (المرتد)؛ هل فيها عقوبة شرعية كالقتل أو الجلد أو السجن أم لا؟ لننظر الآيات؛ مثل: { وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} [البقرة].. كل آيات القرآن في موضوع الردة والمرتدين ليس فيها عقوبة دنيوية؛ وإنما أخروية، فالواجب الاعتراف بهذا أولاً؛ وسنأتي للأحاديث في المرتد .. وهذا ما يجب أن يتحلى به القاضي قبل غيره؛ أن يستوفي ما في القرآن أولاً ثم ينظر السنة؛ والقاضي مدرب أكثر من غيره على الترتيب والتأني.
إذاً؛ إذا لم يجد القاضي عقوبة على المرتد، أعني لم يجد حكماً أو عقوبة من القرآن، وهو أخص (ما أنزل الله) وأصدقه وأثبته؛ فماذا يفعل؟ هل يترك لكل طاعن في القرآن أو النبوة أن يبث كفره بين الناس ويضلهم ويشككهم في دينهم ؟ أليس من مقاصد الإسلام الخمسة (حفظ الدين)؟
الجواب: يجب أن يبحث القاضي :هل حدثت نماذج من الردة أو الكفر أيام النبي صلوات الله عليه؟ أم لا؟ وماذا أمر الله رسوله فيها؟ وماذا كان عمل النبي؟.. لا يجوز للقاضي ولا المفتي ولا الباحث المسلم أن يتقدم بين يدي الله ورسوله؛ ولا يسبقونهما بقول ولا فعل ولا مزايدة ولا شيء؛ الإسلام = تسليم.
نكرر السؤال:
1- هل حدثت أحداث ردة في عهد النبي - حوادث يقينية ؟
2- وماذا كان حكم الله فيها؟
3- وماذا فعل رسوله؟ هل نفد حكم الله أم لا؟
الجواب: نعم؛
1- نعم؛ حدثت حوادث ردة يقينية في عهد النبي.
2- نعم هي يقينية (سجلها القرآن وليس الروايات).
3- وأمر فيها بأوامر.
4- ونفذها النبي.
النماذج:
1- ناس من المسلمين يجلسون يستهزءون بآيات الله ويكفرون بها؛ حادثة نقلها القرآن؛ وأمر فيها المسلمين بأمر واضح؛ فاسمعوا الحادثة والأمر:
الحادثة أو الحوادث: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ}؛ هذا هو الحكم (بما أنزل الله)!!!
نجتنبهم فقط؛ فأين السيف والاستتابة؟
حكم الله في حوادث تكررت ( في أقوام كان يجلسون يستهزؤون بآيات الله ويكفرون بها ) أن تجنب مجلسهم فقط، في هذه الآية على الأقل؛ ولا معارض لها؛ واجتنابهم ليس دايماً أيضاً؛ وإنما تجتنب مجلسهم ( حتى يخضوا في حديث غيره)؛ ليس هجراناً دائماً؛ وإنما مؤقت؛ هذا ( ما أنزل الله )؛ فمن يطيقه؟
أنا أعرف أن البعض قد يستعجل ويقول: هذا في أول الإسلام ثم نسخ ..الخ
نقول: ليتعلم الجميع آداب القضاء، ولا يستعجل؛ فالآية مدنية وفي مسلمين؛ فالآية في سورة النساء - وهي من أواسط العهد المدني - أيام قوة النبوة وأهلها؛ ونزلت في مسلمين منافقين كما تفيد آخر الآية؛ فاسمعو ا بقية الآية {إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (140) } [النساء].
العقوبة أخروية؛ الآية الكريمة فيها حكمان؛ حكم عليك؛ وحكم عليهم؛ الحكم عليك دنيوياً (أن تجتنب مجلسهم)؛ والحكم عليهم أخروياً (جهنم)؛ هذا (ما أنزل الله)؛ فلا تظن أن التسليم بالحكم (بما أنزل الله) والرضا به أمراً سهلاً؛ فالتسليم بأن حكم الله فيه العدل والهدى والرشد، يصعب على المطيع والعاصي؛ هذه حادثة جنس (تكررت) نقلها القرآن؛ وأنزل فيها حكمين؛ حكم عليك وحكم عليهم؛ ولكن أكثر الناس لن يرضوا بهذا الحكم؛ لماذا؟ لعدة أسباب؛ أكثر الناس لن يقتنعوا بهذا الحكم الإلهي الواضح جداً؛ وربما الغلاة يضمرون في أنفسهم أنه (حكم متميع) لا يليق بالله؛ تعالى الله عن ذلك.
لماذا؟
دعونا من الغلاة الآن؛ أكثر العقلاء قد يتحرجون من حكم الله في الحادثة السابقة لأنهم يظنون أن هناك أدلة أخرى فيها حكم القتل للمرتد؛ والجواب للعقلاء:
أولاً: ليس في القرآن الكريم آية تعارض الآية السابقة، لا ىية في في قتل المرتد، وإنما عقوبته في الآخرة.
ثانياً: الحديث موضوع آخر، ففيه أحاديث مع قتل المرتد، وأحاديث مع ترك المرتد وشأنه، فأيهما أولى بالقرآن ويتطابق معه؟ سؤال بسيط وواضح.
ما زلنا في أول مهمة من مهات القاضي (الحكم بما أنزل الله)؛ لم نأت بعد لـ ( تحريم اتباع أهواء الناس)؛ ولا (الحذر من فتنتهم عما أنزل الله)؛ ومن هنا أقول؛ يجب على القاضي أن يثقف نفسه بالشهادة لله؛ والتسليم المطلق لحكمه عز وجل؛ والثقة بأن حكمه فيه الحق والخير والعدل؛ ولكن المشكلة متى؟ عندما يظن القاضي أنه يحكم بما أنزل الله، وهو في الحقيقة قد يكون تاركاً للحكم ما أنزل الله لتقليده ولضعف تعلقه بالقرآن. وقد يكون القاضي عالماً بأن هذا حكم الله وأنه (لا إكراه في الدين)؛ ولكنه يضعف أمام (أهواء الناس) ويخضع (لفتنتهم له) عما أنزل الله الخ؛ لاحظوا أن التراث الفقهي يحاول جاهداً التنصل من الحكم (بما أنزل الله) بطرق شتى؛ فمرة يزعمون النسخ؛ وأخرى معارضة حديث؛ والثالثة أن هذا فساد؛ وهذا سنجيب عليه لاحقاً، ويهمنا هنا أن نذكّر بقواعد:
1- (العلم بما أنزل الله).
2- (التسليم لحكم الله).
3- لا نتقدم بين يدي الله ورسوله.
وقبل أن ننتقل آيالت آخرى، قد يقول البعض أن الآيات السابقة في حق المنافقين، وهم كفار ألصيون وليسوا مرتدين؛ قلنا: هم مسلمون حكماً بالإجماع؛ أي أن كل الآيات التي نزلت بــ (يا أيها الذين آمنوا) تشملهم في كل الأحكام، من زواج وميراث وفيء وحقوق وواجبات..الخ؛ فالمنافقون حكمهم في الدنيا الإسلام، وإن كان حكمهم عند الله الكفر؛ فلهم في الدنيا أحكام المسلمين وعليهم في الآخرة عقوبة المشركين؛ ونحن هنا نبحث عن الحكم الدنيوي فقط، أي؛ هل يقتل المرتد أم لا؟ حكم ما أنزل الله (فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره)؛ لا نزيد ولا نزايد.
قد يقول بعضهم: أأترك لأعداء الله حرية أن يكفروا بآيات الله ويستهزءوا بها وأنا حي؟ والله لا يكون أبداً.
نقول: الله أغير منك على دينه؛ وأحكم وأعلم؛ ما نسبة علم هؤلاء المستعجلون المعترضون من علم الله؟ ما نسبة حكمتهم من حكمته؟ قد يرتد عليهم الحكم وهم لا يعرفون؛ عندما يكفرون بهذه الآية! مفهوم الكفر في القرآن هو معاندة الحق؛ كراهية ما أنزل الله؛ عدم التسليم.. الخ؛ فالذي يرفض هذه الآية قد يكون من أؤلئك الذين (يكفرون بآيات الله)؛ بل لن تضمن أن أؤلئك الذين كانوا يكفرون بآيات الله ويستهزؤون بها، قد يكونون من المنافقين الذين يتظاهرون بالمزايدة على الله ورسوله يومئذ!
المقصود، لا تظن أن الكفر بآيات الله هو رغبة في التخلي عن التدين؛ قد يكون داعي الكفر هو الرغبة في التدين والتشدد فيه؛ والقرآن يذكر هذا ؛ وذلك فالغلاة من المسلمين قد يكفرون بأيات كثيرة؛ أي يغطونها؛ يكرهون أن الله أنزلها؛ يعرضون عنها؛ يصدفون عنها؛ كآيات الحرية في الاعتقاد مثلاً؛ هنا يجب أن تتذكر أن الشيطان يأتي من جميع الجهات {مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ..}؛ وهذا ماذا يعني؟ يعني أن الشيطان يدفعك للكفر من الجهات كلها؛ مرة باسم الطاعة والحرص على الدين؛ ومرة باسم المعصية؛ ومرة بعرض الدنيا؛ وهكذا؛ فالذين كانوا يكفرون بآيات الله في زمن النبي قد يكون كفرهم نتيجة تدين جاهل وحرص؛ مثل كثير من الغلاة اليوم.
التسليم ليس سهلاً على الجميع؛ فالمتدين يرى أن شارب الخمر والزاني يكون عابداً لشهوته مطيعاً للشيطان لإعراضه عن الآيات التي تحذر من الزنا وشرب الخمر الخ؛ ولكنه ينسى أنه نفسه – المتدين - قد يكون أيضاً واقعاً تحت عبادة هواه والصدوف عن آيات الرحمة والحرية والعدل والصدق الخ؛ التسليم صعب على الجميع؛ الشيطان متعدد الوظائف ويوزع الأدوار بكفاءة؛ فيضل المتدين وضده؛ أي يدفع المتدين إلى (الكفر ببعض ما أنزل الله) كما يدفع غيره؛ هذا يكفي لجهنم.
البعض قد يقول : هذه الآية ليست وحدها ، فلماذا لا تذكر لنا آيات أخرى؟
ج: من منهجي التطويل واستيفاء فوائد الآية؛ وهذا أراه من التدبر؛ ولكن خذوا هذه الحالة الثانية؛ وهي حالة ردة يقينية لمجموعة ضعيفة من جيش النبي يوم تبوك؛ فقد صدر منهم الاستهزاء بالله وآياته ورسوله؛ فهل قتلهم؟
اسمع: {قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [التوبة]؛ هذا تصريح من الله نفسه بأن هؤلاء (كفروا بعد إيمانهم)؛ يعني ردة صريحة؛ والذي أخبر بها هو الله نفسه؛ فهل قتلوا أو سجنوا أو جلدوا؟ كلا ؛ إلا أن هذه الآية ليست في صراحة الآية السابقة (آية النساء) من حيث تضمن الأحكام الواجب اتخاذها منا تجاه الكفر والاستهزاء.. فآية التوبة تخبر بأنهم كفروا، ولكن لم تقل ما الواجب علينا؛ وإنما أخبرت بما سيفعله الله بهم: {إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً..}؛ ولكن المتواتر في السيرة والحديث (وهنا تأتي السنة المتقفة مع القرآن) أن النبي لم يعاقبهم ولم يقتلهم، وبقيت لهم حقوق المسلمين. فأين القتل؟
بالطبع أعرف أن بعض الناس مستعجلين، ويريدون أن يعرفوا حكم الحديث الفلاني
والفتوى الفلانية؛ وحروب الردة؛ ومقاصد الإسلام؛ ومنها حفظ الدين.. والخ؛ ولكن كما قلت؛ نريد أن نزرع منهجاً في البحث يختلف عن الخلط والعجلة الذي خلط علينا ديننا؛ أحب أن أقف عند الآيات؛ وأتشرب معانيها؛ وأستمتع بذلك؛ وأحب أن افصل الأمور عن بعضها للبحث فقط؛ فأفصل المحكم عن المتشابه من حيث البداية ببحث المحكم

والقرآن عن الحديث من حيث البداية بالقرآن الخ؛ ثم أنظر للقواعد والكليات التي وضعها الفقهاء؛ مثل (مقاصد الإسلام الخمسة)؛ ما مدى علمتها؟ ومتى قيلت؟ وما الدليل على حصر المقاصد فيها؟ الخ؛ ثم أنظر لمقصد ( حفظ الدين )؛ وهل ( قتل المرتد ) مما يحفظ به الدين حقاً؟ هل نسيه الله؟ {قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ} ؟ ولماذا لا يكون العكس؟ لماذا لا يكون (قتل المرتد) قد أضاع من الدين رحمته وعدله وثقته وما بثه من سنن الله في الابتلاء والمسؤولية الفردية؟ لماذا يقول هؤلاء أن الحكم (بغير ما أنزل الله) سيحمي الدين ويحفظه؟ من قال لكم هذا؟ الحكم بغير ما أنزل الله هو أول إضاعة للدين وتفريط فيه؛ الله من إرادته الكونية لا الشرعية؛ أن يكون هناك كفر وإيمان، حق وباطل، خير وشر، ..الخ؛ وليست إرادته أن يهتدي الناس جميعاً؛ فتعلموا ذلك جيداً؛ الحرص على هداية الناس جميعاً من الجهل بدين الله، فضلاً عن تشريع العقوبات الوضعية لهداية الناس بالسيف، فالله لا يحرص على كثرة المنافقين؛ الله يريد من فرض الحرية للمرتد أن تترقى عقول المؤمنين في الرد على الشبهات؛ وأن تترقى قلوبهم في الصبر على الأذى والألم؛ لا يريد طفولة دائمة؛ لا يريد الله أن يبقى المسلم في ديمومة طفولية؛ إذا لم يعجبه شخص قتله أو سجنه؛ كلا كلا؛ الله لا يحرص أصلاً على هداية كل الناس، وسمى هذا جهلاً؛ افهموا الله جيداً؛ الله لا يحرص على كثرة الناس كما يفعل السلاطين والمتجبرين في الأرض؛ يريد أن تأتي إليه مقتنعاً عارفاً به وبلا أي ضغوط ..

اسمعوا كيف عاتب الله نبيه صلوات الله وسلمه عليه وآله، لأنه حرص على هداية الناس جميعاً، فكيف لو شرّع قتلهم إذا لم يهتدوا؟
اسمعوا : {وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (35)} [الأنعام]؛ تدبر جيداً؛ يعاتب الله رسوله الكريم عتاباً شديداً (فلا تكونن من الجاهلين)! فالحرص على هداية الناس جميعاً هو جهل وليس علماً؛ لماذا؟ لأن هذا الحريص عندما يحرص على هداية الناس جميعاً يكون قد جهل سنن الله في هذا الإنسان، من حيث ابتلائه وتمحيصه واعطائه الاختيار لا الجبر؛ لأنه بناء على الاختيار يكون الثواب والعقاب، يكون أبداع العقول، تكون الأسئلة والاستشكالات مفتوحة لتدرب هذا الإنسان على التفكير العالي؛ ودين الله عظيم أتى من عند عظيم؛ ولن يكتشف عظمة هذا الدين إلا العقول الكبيرة؛ والعقل الكبير لا يمكن أن يتخلق إلا في أرض حرية وأسئلة كبرى. فالذين يقولون أن من مقاصد الإسلام الكبرى (حفظ الدين) صحيح؛ ولكن ليس حفظ الدين بالإكراه عليه، وإنما بالتسليم بفتح باب الحرية كما أنزل الله؛ وهؤلاء الذين تحمسوا للدين في الماضي؛ وقتلوا العقول والتساؤلات بالترهيب والتكفير والتهديد، هم الذين تسببوا في ضعف مواجهة الإلحاد اليوم.
ولو أنهم سمحوا بما سمح به الله ورسوله، لأدى هذا إلى اهتمام المسلمين بالأسئلة الكبرى ومعرفة الغايات والسنن الإلهية، ولما تراكمت الإشكالات؛ ولتعرف الناس على معنى الله وغاياته في خلقه وسننه وعلل أحكامه وكان الإسلام قوياً بأبنائه، راسخاًُ في العقول والحقوق، تتزل عليهم بركاته. فحفظ الدين يتم بما أنزل الله من أمر بالحرية والتدبر والتفكر ومعرفة سنن الله ومواجهة الأسئلة والاستشكالات الخ؛ بهذا يكون الدين محفوظاً. أما القتل لمن ارتد؛ فهذا خلاف ما نقله الله عن الواقع النبوي؛ ولذلك؛ ترقى بعض المؤمنين في العلم بالنفس الإنسانية وسنن الله وحكمته للغاية؛ ولكن الغالبية غير التاريخ - وخاصة الغالبية الرسمية - وبسبب حكمهم بغير ما أنزل الله، ورثوا لنا من الفتاوى والاعتقادات ما نستحي من أعلانه.
حفظ الدين يجب أن يتم بما أنزله الله عن هذا الدين؛ من تفعيل وحرية وتقوى وصدق وتدبر وتفكر وتفاعل مع الواقع غير المسلم الخ؛ وعلى هذا فقمعوا الآراء والمعتقدات والارتداد، هم من تسببوا في ضعف عقل المسلم وقلبه، ثم هذا الضعف أنتج ما يشببه من العلم الضعيف؛ ثم تورطنا.
ملحوظة: الردة التي قاتلها أبو بكر هي الردة التي تقتضي انفصالاً ببلد ما؛ لا أقصدها هنا، لها بحثها تحت باب البغي؛ إنما أقصد تلك الردة الفردية، أو حتى الجماعية التي لا تنفصل عن العرف العام بجناية أو قطع طريق أو بغي ..الخ؛ والدليل على تشريع وجودها من القرآن؛ فاسمعوه: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا
ثُمَّ كَفَرُوا
ثُمَّ آمَنُوا
ثُمَّ كَفَرُوا
ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا
لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ }.
لو كان في الشرع قتل المرتدين لقتلهم النبي في الردة الأولى؛ فكيف تكرر منهم الكفر بعد الإيمان ولم يعاقبوا بحد الردة؟ وجودهم ضروري للمسلم ؛نعم؛ وجود مرتدين ومنافقين في المجتمع المسلم مفيد للمؤمنين الصادقين؛ بشرط أن يستسلم المؤمنون لشرع الله في إبقائهم وإبقاء حقوقهم؛ لماذا؟ لأن هؤلاء المرتدين والمنافقين يعرضون استشكالات كبرى تدفعك أنت للبحث في القرآن، فيؤدي إلى انتعاش القرآن في القلوب والعقول فهماً لا حفظاً. وعندما تبحث عن إجابات أسئلتهم ، ثم تعرضها عليهم، ثم تجد العناد والسخرية والاستكبار ... الخ؛ هنا تكتشف هذه النفس البشرية وتعقيداتها، فتتطور؛ بمعنى؛ ينفتح لك باب آخر من أبواب العلم، وهو العلم بالنفوس الشريرة وأدوائها؛ والنفوس الخيرة وخصائصها، وقد تجد من هؤلاء من يهتدي أيضاً ؛ أيضاً لا تزكي نفسك؛ قد تكون إجاياتك قاصرة، إما كلها أو بعضها، فإذا كنت منصفاً فسيدفعك هذا للبحث مجدداً، ومحاولة فهم الآخر، كيف يفكر وكيف.. أن بعض أسئلته مشكلة فعلاً؛ فهنا تعلم نفسك التواضع وأنك لا تعلم كل شيء؛ وتتعلم التفريق بين المحكمات والمتشابهات؛ وأن هذا القرآن ليس لك وحدك؛ وإنما هذا القرآن لجنس الإنسان كله؛ لا تنقضي عجائبه ولا تفنى غرائبه ولا تكشف الظلمات إلا به على مر الأزمان؛ وتكتشف سبب إيمانك وأسباب كفرهم؛ وأن هؤلاء الذين ارتدوا ليسوا سواء؛ بعضهم قد لا يكون كافراً بمعنى العناد؛ وإنما عنده اسئلة عجزت أنت عنها؛ وهو صادق مع نفسه، يفعل نعمة العقل؛ وقد يدفعك الحوار بصدق وإخلاص مع تلك الفئات المرتدة إلى اكتشاف نفسك، وتراجع معلوماتك وتصوراتك التي كنت مخطئاً فيها، وتتساءل من أين أتت؟
ثم اكتشافك لنفسك يؤدي إلى اكتشافك لشيخك أو مجتمعك، لأنه الملقن الأول للمعلومات المختلطة؛ صواباً وخطأ، ثم هذا سيقودك إلى اكتشاف التاريخ؛ وأن ما أخطأت فيه مما كنت تتوقع أنه من الدين لم يكن من الدين، وإنما كان مكذوباًَ على الدين، مكذوباً على الله ورسوله، ثم تعظم هذا وتأسف ؛ ثم تسهم في نقد تلك الأفكار التي اكتشف أنها لم تكن من الدين؛ وكان سبب اكتشتافك لها وجود هؤلاء المرتدين السلميين الصادقين في الردة؛ أي لولا الحوار معهم، ربما لن تكتشف أنك متبع لكذب على الله؛ وهو أعظم الذنوب (ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً)؛ ولكنك كنت معذوراً بسبب حسن ظنك، كما كان صالحو الجن يظنون أنه (لن تقول الإنس والجن على الله كذباً)؛ لكن للأسف هذا واقع، وفي الأخير اكتشفت بسبب هذا الملحد علماً؛ إذاً فالله أعلم بما شرع؛ والإنسان لا يعلم حكمة الله وجود المؤمن والكافر/ الخير والشر/ الحق والباطل/ سنن التمحيص والفتنة والابتلاء الخ.. أعني لا يعلم الحكمة ابتداء، ولكن عندما يسلم بأوامر الله فيهم (مجادلتهم بالتي هي أحسن، أو الإعراض عنهم) - دون قتلهم وسجنهم - سيتعلم كثيراً؛ الله يشرع لنا ما يطور عقولنا، وهو وجود الأضداد التي تعايشها؛ لن ينفعك وجود كفار في بلدان بعيدة عنك؛ كلا؛ تستفيد من مرتد تعايشه يومياً ؛ فالله ابتلى النبي والذين آمنوا معه بوجود مجموعات من مرتدين ومنافقين ومذبذبين ومتربصين ويهود ونصارى ومشركين ..الخ يعايشونهم يومياً. وتلك المجاميع التي ارتدت في عهد النبي؛ أو نافقت أو تربصت أو تذتذبت ...؛ كانوا مؤمنين ظاهراً في الدنيا، ولن يتعرض لهم بعقوبة مادية أبداً؛ وعلة وجود المنافقين والمتربصين والمذبذبين والذين آمنوا ثم كفروا ... هو علة وجود الشيطان والشرور..
أنت مخلوق في كبد، في ابتلاء ، غاية ألهية؛ من هنا يجب أن تعلم أن الله لم ينزلك في الأرض لتكون دار البقاء هي حصة اختبار قصيرة جداً؛ وليعلم الله من يتجاوز هذه التمحيصات ومن يخضع لها؛ أنت افهم أن الدنيا ليس دار خلود وسعادة وراحة؛ كلا؛ لو أراد الله إراحتك لعذر آدم وأبقاه وذريته في الجنة؛ الله له غاية ومشروع فيك؛ الله أسجد لك ملائكته - كجنس الإنسان ممثلاً في آدم - وكرمك بالعقول والأسماع والأبصار والأفئدة لينظر؛ أتشكر أم تكفر؛ ((تفعلها أو تعطلها)؛ ثم هو يعلم أن الذين سيفعلون نعمة الله سيكونون قليلاً؛ وأن هذا التفعيل هو طريق طويل ودائم لجلب المعرفة والعلم وسط ضجيج من المصاعب والآلام؛ وأن التغلب على الآلام والمصايب والابتلاءات تكون سبباً في اجتيازك للاختبار الكبير، وخلوصك لله وحده، وصلاحيتك للتوظيف الإلهي في رضوانه ؛ ولا تنتظر أن يخبرك الله بكل أسراره، (وما كان الله ليطلعكم على الغيب)، يجب عليك أنت أن تكون متواضعاً ولا تهدد الله بكفر إذا كتمك . لابد أن تقدر الله حق قدره وتعظمه حق عظمته؛ أما الذي يشترط على الله ألا يصيبه شيء حتى يؤمن، فهو لا يعرف الله ولم يحاول، فاستحق ترك الله له.
الله أعطاك كل هذه النعم والمفاعيل؛ عقل؛ سمع؛ بصر؛ أفئدة؛ آيات في الآفاق والأنفس؛ نبوات عبر الماضين؛ موت الأباء والأحباب؛ كل هذه لك، حتى الموت.. ألم يقل الله (هو الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم)؛ هل تعرف سنة الابتلاء والتمحيص والفتنة والكبد ..الخ؛ ما السبيل في تجاوزها؟ هو ما أعطاك.
سر هذا الإنسان في العلم؛ راجع الآيات التي تحدث الله فيها للملائكة عن (خليفة في الأرض)؛ لاحظة كثرة ذكر العلم؛ العلم مريح؛ وهو سر الإنسان؛ أنت تفترق عن بقية المخلوقات في هذا العلم؛ المخلوقات قبلك لا تستطيع أن تراكم العلم والمعرفة؛ لا حيوانات ولا نباتات ولا جماد ولا حتى ملائكة؛ أنت مخلوق مختلف؛ أنت آخر المشاريع الإلهية، فلابد أن يكون الاختبار صعباً، وفيه معاناة وتعب وكبد..الخ؛ لكنك تستطيع أن تنجح بالعلم؛ ولكن لك اعداء يحرمونك من هذا لعلم؛ الشيطان/ الهوى/ ما وجدت عليه الأباء والأجداد/ الطمع/ العجلة/ الكبر ...الخ؛ عليك تجاوزها بنعم الله عليك.
والكلام يطول؛ لكن المقصود؛ أن وجود المرتد والمنافق والمتربص وسائر أهل الباطل كوجود الشيطان، من الضروري وجودهم لكمالات ونجاحاتك. نعم؛ الله شرع معاقبة أصحاب الجنايات المادية ( قتل/ سرقة/ زنا/ قذف/ بغي/ محاربة/ ..)؛ أما الأمور المعنوية المتضادة؛ فوجودها من سنن الله؛ وكلا الأمرين:
1- العقوبات على الجنايات.
2- والحريات الاعتقادات.
كلاهما لأجل كمالاتك أنت، تستفيد من هذا وهذا؛ لولا المشقة ساد الناس كلهم.. وهذا ملاحظ في تطور الإنسان؛ فرجل موجود في مجتمع فيه الأضداد يكون أكثر كمالاً وعقلاً وعلماً من شخص جامد تلقن كل شيء ثم يردده كما تقلنه. فلذلك؛ الله عز وجل أوجد (التشابه) حتى في القرآن الكريم؛ فالآيات المتشابهة لها فوائد، من أهمها تعليم الواضع والأقبال على المحكمات؛ كأن الله لأنه يعلم أن (الذين يختلفون في الكتاب من بعد ما جاءهم العلم) سيقضون على الأسلئة الكبرى، فثبت الله المتشابهات في القرآن رحمة بك.
عذراً إن أطلت في الإجابة على سؤال عريض؛ وهو: أن من مقاصد الإسلام حفظ الدين، وهذا صحيح؛ لكنهم يظنون أن حفظه بقتل من يخالف قراءتهم، وهذا خطأ؛ فاضطررت اضطراراً لكشف ههذ الشبهات والإرجاع للقرآن كمصدر يقيني وصادق في الإخبار عن حرية الاعتقاد وتشريعه السلم مع هؤلاء؛ فوجودهم سنة إلهية؛ وحاولت أن أصحح بعض التصورات التقليدية عن الله، وتشبيهه بالسلاطين المخلوقين من حيث الحرص على تسليم الجميع ..الخ؛ كلا؛ الله ليس هكذا بالمرة؛ وهذا التصور المشوه عن الله هو سبب البلاء كله، من تطرف وتخلف وسفك دماء وظلم وفساد وجفاف وغباء ...الخ؛ كل هذا بما كسبت أيدي الناس.
لذلك؛ فقد أصبح الدين غريباً فعلاً؛ أصبح الكفر بــ ( ما أنزل الله) دليلاً على التقوى والحرص، وأصبح التسليم (بما أنزل الله) دليلاً على الضد؛ ولو سمح المسلمون بوجود المنافقين والمرتدين كما سمح بوجودهم القرآن ونفذه النبي، لكان للمسلمين اليوم ثقافة لا تجارى، ولوجد الناس بركات ؛ هذا الدين، الذي يرتب رضوان الله على أمور فقدناها؛ مثل: الصدق (هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم)؛ وسلامة القلب (إلا من أتى الله بقلب سليم)؛ اعطوني اليوم الصادقين أين؟ سلامة القلوب أين؟ لا أزكي نفسي؛ أنا واحد منكم؛ لكني أحاول أن أصحح التصورات وانشر بعض بركات القرآن ونقد الزيف.
إذاً؛ فالآية الأولى - آية النساء - لم نستطع استعراض إلا (الحكم بما أنزل الله) في مثال واحد فقط، وهو حكم المرتد في القرآن، والواجب علينا فيه؛ ومن المستحسن قبل المغادرة؛ أن أعيد لكم الآية كاملة، فقد بقي فيها فوائد كثيرة جداً؛ الآية هي:
{وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (140)} [النساء]؛ آية عجيبة.
فوائد الآية الأخرى باختصار:
1- أن بعض المؤمنين الصادقين في إيمانهم أيام النبي كانوا يكررون الجلوس مع من يكفر ويستهزيء بآيات الله؛ وهذا خطأ؛ فالواجب اجتناب مجلسهم حتى يخوضوا في حديث غيره، وليس الواجب قتل هؤلاء المستهزئين ولا سجنهم ولا جلدهم، فعقوبتهم أخروية.
2- آية النساء تخبر عن أمر سابق ، مما يدل على أن بعض الصحابة لم ينفذوا الأمر السابق، فمتى كان؟ وأين ذلك الأمر؟ والجواب؛ الأمر الأول في سورة الأنعام: { وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68) } [الأنعام]؛ والأنعام قبل، مكية.
3- أن هجر هؤلاء المستهزئين والكافرين بآيات الله يجب أن يكون مؤقتاً بوجود هذا الأمر، فإذا خاضوا في غير ذلك شرع لك مجالستهم؛ وهذا اليوم من أعجب العجب، ولا يكاد يقر به مسلم، لا سني ولا شيعي، بسبب غلبة التحريف السلطاني عند المسلمين وتركهم (الحكم بما أنزل الله).
4- أن هؤلاء الذين كانوا يكفرون ويستهزؤون بآيات الله هم مسلمون ظاهراً؛ ولكنهم في الباطن خليط من (المنافقين والكفار كفراً نسبياً)؛ فلذلك؛ قال الله في آخر الآية (إن الله جامع الكافرين والمنافقين)؛ ولم يكن المراد الكفر الشائع في اذهان الناس، فلم يكن الكفار في المدينة؛ فالكفار الموجودين في هذه الآية هم أصحاب الكفر النسبي الذين يكفرون ببعض الكتاب ويؤمنونة ببعض، ككثير من المسالمين اليوم، وهذا بينته سابقاً؛ ومن ذلك قوله تعالى مخاطباً النبي {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ} [الأحزاب: 1]؛ فالأحزاب مدنية؛ ولم يكن كفار قريش في المدينة لينهى الله رسوله عن طاعتهم؛ إنما هم أصحاب الكفر النسبي (كالمستهزئين بالله وكتابه)؛ وأصحاب الكفر النسبي هم الأخطر؛ وهم الذين قال الله فيهم (هم الكافرون حقاً)؛ لأنهم يستطيعون أن يفسدوا بدين الله بخلاف الكفار الأصليين.
وأصحاب الكفر النسبي هم من طمسوا الكفر النسبي؛ وأصحاب الثقافة النفاقية هم من زهدوا من خطر المنافقين؛ وأولياء الشيطان هم من أنسونا إياه.. الخ
5- الفائدة الأخيرة المهمة – ركزوا؛ قد تستغربون العبارة – هي: (أن هؤلاء المسلمين من منافقين وكفار كانوا حلفاً متربصاً بالنبي والخلص معه!)؛ والدليل من القرآن، فآخر الآية ماذا يقول؟ .{ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (140)}؛ حسناً؛ من هم هؤلاء المنافقين والكفار في المدينة؟ اسمع جواب الله: { الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بيْنَكُمْ يوْمَ الْقِيامَةِ وَلَنْ يجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ علَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (141)}.
آية مرعبة جداً. فهؤلاء أصحاب الكفر النسبي (الذين هم الكافرون حقاً)؛ والمنافقين، كلاهما فريق واحد متربص بالنبي والخلص من أصحابه، وأن هذا الفريق المتحالف من (المنافقين وأصحاب الكفر النسبي الأخطر) كانوا يحضرون مع النبي الغزوات؛ والحروب! (ألم نكن معكم)؟ وأن هؤلاء - اعني الفريق المتربص - (قد تسبب في حماية كفار قريش) يوم بدر، وذكّروا كفار قريش يوم أحد بأنهم قد منعوا من قتلهم يوم بدر واستحوذوا عليهم؛ وعلى هذا؛ ستكتشف أن الزعم بأن النبي نزل عتابه لأنه لم يقتل الأسرى باطل؛ إنما نزل القرآن بعتاب هذا الفريق (المتربص) الذي منع المسلمين من قتل بعض (من كانوا يسرون إليهم بالمودة) (ويتخذونهم أولياء من دون المؤمنين) من كفار قريش، فذلك، جمعوا للنبي هؤلاء الأسرى طمعاً في الدنيا ، ثم رووا تحميل النبي المسؤولية لأنه أطلقهم ولم يقتلهم!
اسمع {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67)} [الأنفال]؛ فالذم القرآني لهؤلاء الذين (استحوذوا على كفار قريش يوم بدر) ولم يمكنوا المسلمين من قتلهم؛ وهم الذين ذكروا كفار قريش يوم أحد عندما كان لهم نصيب؛ وهم من قلب قصة الأسرى راساً على عقب؛ فجعلوا النبي مستحقاً للعذاب في أمر لم يخطيء فيه أصلاً، فلا يجوز شرعاً قتل الأسير؛ (فإما مناً بعد وإما فداء)؛ فقط، فانظروا كيف وجدنا في هذه الآية الواحدة وسياقها ما يكشف أسس البلاء كلها؛ والتربص يصاحبه استعداد؛ ومن الاستعداد، تلك الثقافة النفاقية التي لولا تسببها في التشويش على معاني القرآن الأولى، لما اضطررنا أن نتدبر بعض هذه االاية وفوائدها في 200 تغريدة، ولذلك سامحوني في الإطالة؛ فإن المعاني يأخذ بعضها بأعناق بعض، ولولا الحرية لما استطعت أتدبر هذا التدبر الذي سيفهمه الأكثر حرية وصدقاً؛ فتحرروا وابحثوا.
شكرا لكم.
يتبع في الجزء الثاني

  طباعة  ||  أخبر صديقك  ||  إضافة تعليق  ||  التاريخ : 2021/01/21  ||  الزوار : 2255




جميع الحقوق محفوظة @ حسن بن فرحان المالكي